“ميثاق مراكش” يثير انقساما سياسيا واجتماعيا في بلدان أوروبية

حالة انقسام مجتمعي وسياسي تعيشه العديد من البلدان الأوروبية بخصوص الميثاق الأممي حول الهجرة، الذي صودق عليه أمس الإثنين بمراكش؛ إذ تسبب في تعديلات حكومية في بلجيكا، وعمق أزمة “السترات الصفراء” في فرنسا، وأنتج كثيرا من التعليقات القادمة من مختلف البلدان المُستقبلة للتدفقات البشرية، تتقدمها الولايات المتحدة الأمريكية وأستراليا.

الأزمة وإن كانت بادية بشكل واضح في بلجيكا بعد انسحاب الحزب الوطني الفلمنكي من الحكومة احتجاجا على قرارها بالموافقة على الميثاق الأممي للهجرة، فإنها تشكل وقودا تعبويا كذلك لجزء واسع من حركة “السترات الصفراء” في فرنسا التي ظلت مرددة لشعارات رافضة للميثاق، ومطالبة الرئيس ماكرون بالبقاء داخل قصر الإليزيه لحل الأزمة التي تسببت فيها السياسات الحكومية المتتالية.

وفي مقابل هذه التصدعات التي نتجت عن ميثاق مراكش، استقطبت عاصمة النخيل قيادات العديد من الدول المصادقة على مخرجاته؛ فقد حلت بالمغرب المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، وكذا رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، في حين اتجهت الولايات المتحدة الأمريكية إلى خيار المقاطعة، خصوصا في ظل الأوضاع الهشة التي تعيشها في علاقتها بالمهاجرين المكسيكيين وتلويح ترامب على الدوام بإغلاق كافة منافذ دخولهم.

وفي هذا الصدد، يرى عبد الإله الخضري، رئيس المركز المغربي لحقوق الإنسان، أن “الميثاق العالمي للهجرة المصادق عليه، يعد أول وثيقة من نوعها، وهي نقلة نوعية بالتأكيد من أجل تعزيز التعاون الدولي في سبيل ضمان هجرة آمنة ومنظمة، ويبدو أنه انعكاس وتتويج لتفاعل أممي إيجابي مع موجات الهجرة التي بات يعرفها العالم، سواء كهجرة اقتصادية أو هجرة أمنية من بؤر التوتر”.

وأضاف الخضري، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن “المقترحات الثلاثة والعشرين، المتَضمنة في الميثاق، تهدف إلى الحد من المخاطر التي يواجهها المهاجرون عبر رحلاتهم، سواء نحو أوروبا أو نحو أميركا، لكن تصاعد الأصوات الرافضة للميثاق يهدد بشكل جدي تنزيله، حيث يرجع ذلك بالدرجة الأولى إلى تنامي التيار اليميني بمختلف الدول الأوروبية والغربية المناهضة لاستقبال المهاجرين، فضلا عن المخاوف الشعبية المتزايدة في دول الاستقبال، التي تعتبر المهاجرين تحديا أمنيا وتهديدا اقتصاديا واجتماعيا لكياناتها الوطنية ولتلاحمها وانسجامها القيمي والوطني”.

وأوضح الفاعل الحقوقي أن “اللقاء الأممي بمراكش سبقه انسحاب إيطاليا وأستراليا وسويسرا والنمسا وغيرها من الدول، وبالتالي تقلص عدد الدول المشاركة في اللقاء السابق بنيويورك، الذي بلغ نحو 190 دولة، حيث عبر أقل من الثلث عن استعدادهم لحضور لقاء مراكش، وهو ما يضع تحديا حقيقيا أمام جهود الأمم المتحدة”.

وأردف الخضري أنه “من الناحية الاستراتيجية، فالميثاق يتعاطى مع الهجرة كأمر واقع ومستدام، وما ينبغي فعله هو تدبير التدفقات البشرية على نحو إنساني وقانوني يراعي حقوق المهاجرين واللاجئين الأساسية، وفي آن واحد يحمي السيادة الوطنية للدول المستقبلة”، مستدركا بأن “هذا لا يعفي من المساءلة حول جدوى مبادرات الأمم المتحدة، إذا ما ولينا الوجه نحو الجانب القاتم من ممارسات الدول المتقدمة في حق شعوب الدول النامية، حيث تزدهر تجارة وتدفق الأسلحة وإثارة النعرات المؤدية إلى نشوب الحروب داخل الشعوب المقهورة، ونهب ثرواتها، ودعم الحكام الفاسدين والمستبدين”.

وزاد الخبير موضحا بخصوص ظاهرة الهجرة: “يمكن اعتبارها أزمة عالمية وظاهرة غير صحية بامتياز، نتيجة ممارسات بعض الأنظمة وسياساتها القائمة، وهو ما يحتاج إلى دراسة ومعالجة على المديين المتوسط والطويل، بما يمكن من إثارة القضايا الحقيقية المرتبطة بحق الشعوب في الديمقراطية وحقوق الإنسان، وحقهم في التنمية المنصفة، والتوزيع العادل للثروات، وصناعة مبادرات قوية للضغط في هذا الاتجاه، وآنذاك، بالتأكيد ستتقلص الهجرة غير النظامية، وستتطور الهجرة النافعة والإيجابية”.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.