سياسة

اسليمي: الجزائر تختبئ وراء الاتحاد المغاربي لتعويم “حوار الملك”

يبدو أن بلاغ وزارة الخارجية الجزائرية الداعي إلى عقد اجتماع لوزراء دول الاتحاد المغاربي، الذي اعتبره كثيرون جوابا على المبادرة المغربية للحوار الثنائي، غير مفاجئ لكون السلطات الجزائرية سربت مضمونه بطريقة غير رسمية منذ الساعات الأولى التي تلت خطاب الملك في ذكرى المسيرة الخضراء، حيث خرج دبلوماسي قديم ووزير يعود إلى فترة الرئيس الهواري بومدين بمضمون البيان الذي صاغته الخارجية الجزائرية بعد أزيد من أسبوعين على إعلان المبادرة المغربية.

هذا الأمر يبين أن الجزائر لم تأخذ الوقت الكافي لدراسة المبادرة المغربية وإنما عملت على إخراج جواب يسير على التوجهات القديمة رغم تغير المعطيات الإقليمية والدولية، ويفهم تأخرها في الإعلان عن خارجية مساهل باختيار توقيت قريب زمنيا من مائدة جنيف، لتقوم بمحاولة تعويم المبادرة المغربية والهروب أمامها من الثنائية إلى الجماعية المُعطلة، فالمغرب يعرف جيدا الاتحاد المغاربي ومؤسساته ويدرك حالته التي لا يمكن أن تستقيم بدون حل المشاكل القائمة بينه وبين الجزائر.

بيان جزائري يريد عزل قضية الصحراء وفرملة توجه المغرب الاقتصادي نحو إفريقيا

من الواضح أن هروب الجزائر من مبادرة ثنائية والجواب عنها بدعوة لاجتماع اتحاد معطل منذ سنوات، توجد وراءها أهداف جزائرية أحادية في مواجهة المغرب؛ يتمثل أولها في القفز فوق المبادرة المغربية ومحاولة تعويمها لشعور الجزائريين بأن تأثيرها كان سريعا في الداخل الجزائري وخارجه.

وثانيها أن بيان وزارة الخارجية الجزائرية يستند في دعوته إلى “توصيات الاتحاد الإفريقي”، وهنا تكمن الخطورة؛ إذ تتصادف هذه الإشارة مع شعور الجزائر بكون المغرب يخترق مناطق استراتيجية حيوية في إفريقيا ويستعد للاندماج في تكتلات اقتصادية بعيدة عن الفضاء المغاربي، وهو الأمر الذي لم تستطع الجزائر عرقلته رغم محاولاتها.

كما أن الإشارة إلى توصيات الاتحاد الإفريقي داخل بيان يتعلق بدعوة إلى اجتماع وزاري للاتحاد المغاربي تأتي بعد عودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي، ويبدو أن الجزائر تحاول لعب ورقة ما بإيجاد جسر لنقل صراعات داخل الاتحاد الإفريقي نحو الاتحاد المغاربي وتجسيد الأزمة في المغرب.

“إبراء ذمة” وإشهاد: لا يهم تجاوب أو عدم تجاوب الجزائر مع المبادرة

اليوم، وبعد مرور ما يفوق أسبوعين على المبادرة المغربية، فإن الذي يهم بالدرجة الأولى أن الملك، بصفته رئيس الدولة، قدم مبادرة ذكية لها أبعاد استراتيجية تنطلق من استشعار تحولات قادمة إلى شمال إفريقيا قد يكون موضوعها هو الجزائر، مبادرة هي أعلى سقف دبلوماسي تفاوضي يقدمه المغرب للجزائر.

ولا يهم الآن البحث عن تجاوب أو عدم تجاوب الجزائر مع المبادرة المغربية، بقدر ما يهم تشخيص طبيعة الأثر الذي تركته بعد أسبوعين من الإعلان عنها، فالكثيرون لم ينتبهوا إلى أن المبادرة المغربية أحدثت تغييرات في الجزائر ولو أنها جزئية، ولكن من الصعب على حكام الجزائر أن يتحكموا فيها خلال الشهور المقبلة، وتتمثل هذه التغييرات في ما يلي:

1. أن المغرب وحده الذي يبادر في العلاقات الثنائية، وفي كل مبادرة تهرب الجزائر أو تقدم سلوكا مناقضا للمبادرات المغربية منذ مرحلة الرئيس بنبلة إلى مرحلة الرئيس بوتفليقة.

2. لم ينتبه الجزائريون إلى أن تغييرا قد بدأ مع قرار مجلس الأمن الأخير رقم 2440، فالإشارات المتعددة إلى الجزائر وتحويل صفتها في نزاع الصحراء يشير إلى أن صانعي القرارات في مجلس الأمن يعرفون أن تغيير صفة الجزائر في نزاع الصحراء هو المنفذ الوحيد لإحداث تغيير في الجزائر كدولة مازالت تستعصي على التغيير.

فحكام الجزائر الذين جعلوا من ملف الصحراء الورقة الوحيدة في لعبتهم السياسية الداخلية والتنافسية في المحيط الخارجي ارتكبوا خطأ كبيرا؛ إذ لا توجد دولة في العالم يمارس حكامها السلطة بلعبة سياسية فيها ورقة وحيدة تتمثل في صناعة كيان انفصالي واستعماله داخليا وخارجيا لخلق عدو مفترض دائم، فالمجتمع الدولي يعرف أن ورقة الجزائر الوحيدة في الداخل والمحيط الإقليمي هي البوليساريو.

3. تغيرت صورة المغرب في الداخل الجزائري في وقت وجيز من إطلاق المبادرة؛ إذ نقلت الصورة من مغرب “يرفض الحوار”، كما كانت تقدمه السلطات الجزائرية للجزائريين، إلى مغرب يقترح مبادرة حوار شامل على القيادة الجزائرية، الشيء الذي خلق نوعا كبيرا من الإنتظارية قد تتحول إلى احتجاج جغرافي داخل الجزائر؛ إذ بات سكان الحدود الغربية الجزائرية القريبة من المغرب يتساءلون عن سبب إغلاق الحدود وفتحها في شرق الجزائر مع تونس وجنوبها الغربي مع موريتانيا.

4. استطاعت المبادرة المغربية أن تخلق منذ اليوم الأول رأيا عاما جزائريا يناقش موضوع الآلية التي عرضها المغرب على القيادة الجزائرية، ويحرك هذا الرأي العام نخبة اقتصادية من رجال الأعمال الجزائريين الموالين لسعيد بوتفليقة رغم قلتهم وبعض تنظيمات المجتمع المدني الناشئة.

ومن المتوقع أن تكون المبادرة المغربية في صلب النقاشات السياسية الانتخابية الجزائرية القادمة؛ إذ سيكون على بعض الأحزاب الجزائرية والمرشحين للرئاسيات المقبلة، بمن فيهم أنصار العهدة الخامسة لبوتفليقة، تغيير الخطاب حول المغرب من خطاب مغرب “يرفض الحوار” إلى خطاب يجب أن يبذل مجهودا لإقناع الجزائريين بأسباب الالتفاف والهروب عن المبادرة المغربية.

5. علاقة الجزائر بالبوليساريو التي قد تعرف تغييرات، فقد لاحظنا كيف تصدت البوليساريو منذ اليوم الأول للمبادرة المغربية وحلت محل السلطات الجزائرية في رفضها، ولكن البوليساريو باتت تشعر بعد هذه المبادرة لأن هناك شيئا ما قادم.

6. يوجد المغرب اليوم، بعد مبادرته بالدعوة إلى حوار ثنائي، في موقع ما يمكن تسميته بـ”إبراء ذمة”، حيث قام بإشهاد المجتمع الدولي على مبادرته وتوثيقها في سجل الأمم المتحدة، إلى درجة يمكن القول معها إن الجزائر باتت تتحمل مسؤولية كل ما يمكن أن يحدث مستقبلا من أزمات ومخاطر رغم هروبها إلى بيان الدعوة إلى اجتماعات الاتحاد المغاربي.

على الإعلام الرسمي المغربي تجنب السقوط في شرط جزائري

وإذا كانت المبادرة المغربية قد أحدثت كل هذه التغييرات، فقد لاحظنا كيف بدأ الضيوف الرسميون وغير الرسميين الجزائريين في وسائل الإعلام الجزائرية منذ الساعات الأولى للخطاب الملكي المعلن عن المبادرة في إعادة إطلاق نوع من الاشتراطات على المغرب، يوجد من بين أربعة منها شرط أن المغرب مطالب بإسكات إعلامه وإيقاف انتقاد الجزائر.

وبقدر ما ظهر هذا الشرط غريبا لوسائل إعلام جزائرية تستضيف رسميين وغير رسميين ينتقدون المغرب ويشترطون سكوت إعلامه، فإن الغرابة تزداد أكثر لما لاحظنا سكوت جزء من الإعلام المغربي الرسمي، فالشرط الجزائري يعني أن الإعلام المغربي له تأثير في الرأي العام الجزائري.

ويكفي التنبيه هنا إلى أن بعض وسائل الإعلام المغربية تسجل بتناولها الأوضاع والتطورات في الجزائر نسبا كبيرا من المشاهدة والاستماع والقراءة، فإحجام جزء من الإعلام المغربي عن مناقشة أوضاع الجزائر الداخلية ودورها في المحيط الإقليمي قد يفهمه الجزائريون بأنه قبول بشروطهم، وهذا خطير جدا.