إقتصاد

حصيلة سنوات عجاف تمنع أفقر جماعات اشتوكة من الإقلاع التنموي

في المنطقة الجبلية لإقليم اشتوكة آيت باها، تقع الجماعة الترابية آيت واد ريم، إحدى أقدم الجماعات الترابية في الإقليم، التي أُحدثت سنة 1976، وتتكون التسمية من كلمتيْن هما: “واد” و”ريم”، وتعني واد الغزالة، وسميت بذلك لأن هذا النوع من الوحيش كان منتشرا بهذه المنطقة، قبل أن ينقرض نهائيا. ويمتد تراب جماعة آيت واد ريم على مساحة 136 كلم مربع، يحدها شمالا جماعة سيدي بوسحاب، جنوبا جماعة سيدي عبد الله البوشواري، شرقا جماعتي آيتامزال وتيزي نتاكوشت، أما غربا فتحدها جماعتي سيدي عبد الله البوشواري وسيدي بوسحاب، وتوجد أغلبية تراب هذه الجماعة على جبال الأطلس الصغير، فيما الجزء الآخر فيقع على الحافة أو على امتداد سهل اشتوكة.

وإلى عهد قريب، صُنفت جماعة آيت واد ريم ضمن قائمة الجماعات الترابية الأكثر فقرا، على الأقل على صعيد إقليم اشتوكة آيت باها.

وكانت الصراعات السياسية، التي خيّمت طويلا على المجالس المتعاقبة على تدبير الشأن المحلي، قد أرخت بظلالها على مسيرة الإقلاع التنموي؛ وهو ما أفضى إلى تأخر الجماعة تنمويا، كما كان لتلك الصراعات تأثير على المرفق الإداري.

ولا يمكن الحديث عن “آيت واد ريم” دون ذكر فن “أجماك”، اعتبارا لكون هذه المنطقة موطن أبرز شعراء النظم الشعري الأمازيغي والمحاورة الفورية، التي تُشكل أبرز سمات فن “أجماك”، ولا يزال شعراء كُثر يُبدعون في هذا المجال؛ بل ذاع صيتهم على المستويين الجهوي والوطني، لكون ذاكرتهم لا تزال تُنتج باستمرار أشعارا أمازيغية، تتناول مختلف مناحي الحياة، ويكون “أسايس”، فضاء للمحاورة والإبداع الفوريّين.

جماعة فقيرة وسنوات عجاف

“جماعتنا فقيرة، ولا تتوفّر على مشاريع لتحسين المداخيل، بل الأكثر من ذلك لا يوجد بها حتى السوق الأسبوعي كباقي الجماعات”، يقول أحد السكان الذين صادفتهم هسبريس بعين المكان، واستدرك المتحدّث قائلا: “في الآونة الأخيرة، عادت الحركية إلى الجماعة، وبدأت تظهر بوادر فك العزلة، التي من شأنها التشجيع على استقرار الساكنة، حيث شهدت المنطقة ظاهرة الهجرة، حيث لا تخلو دار من فرد مهاجر أو أكثر إلى المدن المغربية أو خارج البلاد”.

الإفادات، التي استقتها جريدة هسبريس من جماعة آيت واد ريم، تكاد تسير كلها في وصف الواقع التنموي بهذه الجماعة بـ”السنوات العجاف”، بعد أن عانت من عقود من التهميش والإقصاء؛ وهو ما أثر بشكل كبير على مختلف أوجه ومناحي عيش الساكنة، التي تعيش على فلاحة بورية بسيطة، لا تُلبّي حتى أبسط ضروريات العيش، وطالبت الساكنة، في هذا الصدد، بمزيد من التنمية وإحداث مشاريع مدرة للدخل، واستغلال طبيعة المنطقة على مستوى تربية الماشية والفلاحة.

مركز صحي، نعتته ساكنة آيت واد ريم، ضمن إفادات متطابقة لهسبريس، بـ”اليتيم”؛ بالنظر إلى الخصاص المهول في الأطر التمريضية، وغياب طبيب قار، فضلا عن معاناة النساء الحوامل مع انعدام دار للولادة، يُخفف عنهن مشاق التنقل صوب المدن المجاورة لأجل وضع مواليدهن في ظروف صحية جيدة.

وفي السياق نفسه، قالت سيدة التقتها هسبريس بمدخل المركز الصحي: “تضطر جل النسوة إلى قصد عائلاتهم بالمراكز الحضرية والمدن القريبة، كلما دنا موعد الوضع، لتجنب مخاطر الولادة؛ وأولها غياب دار للولادة، مما قد يُهدد حياة الأم والرضيع خلال رحلة الوصول إلى المستشفى”.

سوق متهالك ومدرسة جماعاتية ناجحة

يرتبط اسم “آيت واد ريم” بالسوق الأسبوعي للمنطقة “اثنين آيت واد ريم”، الذي كان ينعقد كل يوم اثنين. وكان السوق، وفقا لشهادات عدد من الأهالي، يشهد رواجا تجاريا مهما؛ لكن سرعان ما تلاشى هذه الرواج، حيث قال أحدهم في حديث مع هسبريس: “كان المركز الصحي، ومقر الجماعة بسوق اثنين آيت واد ريم؛ وهو ما كان يفرض على الساكنة التوجه إلى السوق، لقضاء أغراض التبضع والأغراض الإدارية الأخرى، وهو ما يساعد على الرواج، لكن تحويل مقر الجماعة والمركز الصحي أفرغ المكان، وقضى على ذلك الرواج، فأصبح السوق مهجورا، وتحول إلى أطلال ترثي واقع التهميش الذي طال هذه المرفق التجاري”.

ضمن إستراتيجية وزارة التربية الوطنية وفي إطار جهود مديريتها باشتوكة آيت باها، أحدثت قبل سنوات مدرسة جماعاتية بتراب هذه الجماعة. وكان لنسب الهدر المدرسي، لاسيما في صفوف الفتيات، إحدى أبرز مبررات تنزيل هذا المشروع. وقد انخرطت الجماعة الترابية ومديرية التربية الوطنية والمجلس الإقليمي ومكونات المجتمع المدني المحلي في إنجاح هذه الخطوة، التي حققت نتائج مبهرة؛ بتوفير وسائل النقل المدرسي، على الرغم من الحاجة إلى تعزيز أسطوله، والإطعام المدرسي وكل المقومات المساعدة على تحقيق التمدرس للجميع، والدفع بتمتّع أطفال المنطقة بتعليم جيّد وفي ظروف مواتية.

منذ حوالي سنتيْن، شهدت جماعة آيت واد ريم ما أشبه بطفرة تنموية، من خلال رزمة المشاريع التي تظهر على الواقع، وكلها تسير في منحى فك العزلة عن الساكنة.

وقال لحسن بولملف، رئيس المجلس الجمعي، في تصريح لهسبريس، إن “الجماعة وضعت نصب عينيها ترشيد النفقات، والتركيز على حاجات المواطنين، خاصة أنها فقيرة لا تتوفر على مداخيل، باستثناء المصادر المالية من الداخلية. وقد انخرطت مكونات المجلس في التوجه الجديد، الرامي إلى إخراج الجماعة من العزلة التي ظلت تُخيم على مختلف المجالات، ولسنوات طويلة”.

على درب التنمية

أوضح لحسن بولملف أن المجلس الجماعي، بعد تشخيص الوضعية التنموية الهشّة للجماعة، ركّز على القطاعات الحيوية التي ستسهم في الحد من الهجرة بنوعيها، حيث عمل على تحسين جودة الخدمات الإدارية. كما يدعم جمعيات المجتمع المدني بشراكة مع باقي المتدخلين، من سلطات إقليمية والمجلس الإقليمي والجهة ووزارة الداخلية والأنزوا وقطاعات وزارية عديدة، في سبيل بناء وإصلاح المسالك الطرقية، وتوفير وسائل النقل المدرسي، وسيارة إسعاف، وتعميم الإنارة العمومية، والماء الصالح للشرب”.

رئيس المجلس الجماعي لآيت واد ريم اعتبر، ضمن تصريح لهسبريس، أن “المجلس الجماعي ماض على درب تحقيق تنمية شاملة، ولن يتأتى ذلك إلا بمزيد من الترافع حول القضايا والانشغالات التي أفرزتها عملية التشخيص التشاركي، الذي كشف لنا عن أولويات تنموية، نعمل جاهدين من أجل تحقيق نتائج مهمة، بالانكباب على إنجاز دراسات عدد من المشاريع التنموية، كما خرجت إلى حيز الوجود سلسلة منها، حيث نعتز بهذا الحصاد، وسنواصل نفس المسار، حتى تنعم ساكنة آيت واد ريم بتنمية شاملة”.

ولم يخف المسؤول الجماعي أن جماعته عاشت سنوات طويلة على إيقاع صراعات انتخابية وسياسية، أثرت بشكل لافت على تحقيق الإقلاع التنموي المنشود.. فـ”تأخرنا كثيرا في ركوب قطار التنمية؛ لكننا أصبحنا، اليوم، واعين بحجم الانتظارات، وحجم التهميش الذي عانت الجماعة، وننكب على تجاوز هذا الوضع، بشراكة مع كل شركائنا المحليين والإقليمين والجهويين والمركزيين”.

>