فيلم “جوكير” .. فرجة الوجه للعابرين ورأسمال الجسد للمشاهدين

يقدم فيلم “جوكير” شخصية صارت شهيرة جدا في ظرف أسبوع. فما الجديد في هذه الشخصية التي وقفت أمام الكاميرا والمتفرج فأعطاها كل انتباهه؟

قدم الفيلم (أكتوبر 2019 إخراج تود فيليكس) بهلوانا جعل وجهه تسلية للغير. يريد البهلوان (أداء العبقري يواكين فونيكس) المصاب بمرض الضحك الحزين والمتنكر خلف قناعه الوحشي أن يوهم محيطه بأن قناعه الملون هو وجهه الحقيقي. مع الزمن صدق البهلوان الأمر.

البهلوان كائن مقنع يمارس مبالغات في الأداء لكن السياق يفرضها. يتحول الممثل من الكوميديا إلى التراجيديا بسرعة، التراجيديا يعيشها والكوميديا يحاول صنعها. ينطق كلماته كأنه يحمل حجرا. ينطقها بثقل يدل على أنه يحس بما يقول.

البهلوان قادم من المسرح، يعرض روحه لأحكام الغير دون دفاعات لاستجلاب الضحك، يتفاعل مباشرة مع جمهوره، وكلما بالغ حصل على نقود. بمقارنة أداء فونيكس مثلا في أفلام “المهاجر” 2013 و”ماري مادلين” 2018، وفي “جوكير” تظهر قدرته على التحول بدل تكرار نفسه.

للممثل القوي وجه في كل فيلم. للمقارنة لعب يواكين فونيكس في فيلم “مريم المجدلية” دور النبي الحازم الصارم تعشقه مريم. دور نقيض لكل سلوك بهلواني، لا مكان للكوميديا في المقدس.

يحكي جاك دو فوراجين في كتابه “الأسطورة الذهبية” 1260م، الذي رُسم بكامله على جدران الكنائس الأوروبية، أن قديسا كلف امرأة بطرح سؤال صعب على شخص غريب لاختبار ذكائه. كان السؤال هو: ما هو أروع شيء خلقه الله في أصغر مساحة؟

أجاب الغريب:

“الوجه، وعلى الوجه وضع الله كل معاني الجسد”.

للوجه موقع أساسي في كل اللقطات. الوجه حالة خام، طبيعة. القناع ثقافة.

في اللقطات دقة إيمائية وإسقاط عاطفي بارز. عادة تضعف مصداقية الممثل عندما يبالغ في الأداء، لكن حين يكون بهلوانا يحق له ذلك. والأصعب هو أن يرجع إلى شخصيته الأصلية حين يتوقف عن “البهلوانية، هذا ما ينجح فيه.

رأسمال الممثل هو جسده

يعرض البهلوان جسده النحيف على انظار المارة لعلهم يضحكون فيساعدونه، يضحكهم بحركاته ونادرا بصوته، هذا فيلم سينسب للممثل الذي اشتغل على جسده ليخبر ببؤس كل بهلوان. ممثل يوقع كل مشهد بصوته، بنغمة ضحكة تتكرر (ليت موتيف Leitmotiv)، الصوت كالوجه يتغير حين يعبر عن الانفعالات.

هذا ممثل مستغرق في دوره طيلة أيام التصوير، لذا لا يظهر مرة باردا ومرة دافئا في أدائه. النقيض، ممثل يبدأ التصوير كل يوم بمزاج مختلف.

يقول المخرج بيتر بروك: “يجب أن يكون الجسد متأهبا وحساسا… ويجب أن يكون الصوت منطلقا حرا، ويجب أن تكون الانفعالات صريحة وحرة، ويجب أن يكون الذكاء سريعا لماحا. كل هذا يجب إعداده”. دون هذه الشروط يكون الأداء ضعيفا.

حجم اشتغال الجسد مؤثر، إنه كتلة تعمل لتقنع. لذلك نحف يواكين فونيكس جسده ليلائم الدور، صار شبحا يرقص بطريقة تجريدية. تناسق علاقة الإحساس البئيس بحركة الجسم… يتساءل المخرج البولندي زيجمونت هبنر (Hubnra Zygmunta): “كيف للمخرج أن يكون مخرجا ومعرفته بلغة الجسد ضئيلة؟ وهي الوسيلة الأدق والأكثر مباشرة للوصول، إنها وسيلة الاتصال مع الممثل”.

تعبر حركة الجسم على الأحاسيس، تتوالى الحركات الإيمائية التي يقوم بها الممثل ودلالاتها. لقد انتقى المخرج الممثل الملائم ودرب جسده.

من يتذكر اسم مخرج فيلم جوكير؟

أداء الممثل في الفيلم هو تطبع وتفسير للشخصية المؤداة وليس طبعا معطى مسبقا جاهزا في شخصية الممثل. هذا ما يصنع الممثلين الكبار. ممثل يدرك بكل حواسه أن المخرج يصور الشخصية دون علمها. حين يتحقق هذا يكون الممثل مرتاحا في طبعه. الكاميرا هي التي تراقبه وليس هو من يراقبها. الممثل الذي يراقب الكاميرا لا يغرق في دوره.

أدائيا، “جوكير” فيلم يركز على جسد مُمسرح، خاصة على الوجه الذي يلعب به الممثل بمهارة تبعا لسياق الحكاية. وتزيد دلالة هذا الوجه بفعل الأقنعة التي يضعها.

لقد اخترع البشر القناع لإخفاء الوجه الحقيقي بغية التنكر، لتقديم وجه مزيف للغير. في بداية القرن السابق شوه بابلو بيكاسو على لوحاته الوجه البشري مستعيرا القناع الأفريقي.

جماليا، على صعيد الألوان خاصة تتكرر المستطيلات الضوئية التي تذكر بمستشفيات المجانين، وهناك انعكاس الضوء على الأرصفة ليلا. أما ألوان ملابس الممثل فهي “فجائعية”، ألوان تذكر بالمدرسة الوحشية في الرسم. ألوان تكسر قاعدة الدائرة اللونية، يقول رولان بارت: “هناك دهشة ما في رؤية شخص مألوف لديك مرتديا ملابس مختلفة”.

صوتيا، وضعت شركة “وارنر براذرز” مؤثرات صوتية قوية شديدة التواصل تمنع المتفرج من الشعور بالملل.

يعرض البهلوان وجهه في الشارع فرجة للعابرين. يهمه أن يكون مضحكا ليرضي الطلب على الفكاهة. بهلوان بئيس مسالم يهين نفسه يوميا بتقديم فرجة في الشارع ليكسب رزقه، يسحق روحه علّه يضحك من حوله طلبا للرزق. لكن حصل تحول في شوارع المدينة بداية ثمانينات القرن الماضي، زاد العنف وصار ركل بهلوان مصدر تسلية للغير.

كان يسامح ويتغاضى لأن حياته تراجيديا لكنه فهم حقائق جديدة فلم يتحمل إهانات الغير، وخاصة سلوك أمه. والنتيجة هي أن شخصية مسالمة ظاهريا تفيض ضغينة مضمرة، تنتقل من تلقي الصدمات إلى تصفية الحساب مع العالم.

نوعيا، هذا فيلم كوميديا خبيثة، في بداية كتابه “قضية فاغنر”، يقول نيتشه إنه سيروح عن نفسه، لكنه سيدس بين مواضع المزاح شيئا غير قابل للمزاح. يسمي ذلك دعابة خبيثة. ص 5.

نتيجة الدس؟

السلطات الأمينة الأمريكية تخاف تداعيات نجاح الفيلم.

هذا خبر مضلل. كم من أمريكي قتل بسبب إطلاق الرصاص في 2019؟ كثير. لكن حين يصور فيلم متخيل قتلا تخاف الشرطة ولا تنزع الأسلحة؟

للفيلم بعد سياسي، لقد طبَعَت سياسات الليبرالية المتوحشة التي طبقها الرئيس الأمريكي بطل أفلام الويستيرن رونالد ريغان والمرأة الحديدية رئيسة الوزراء البريطانية مارغيريت تاتشر سنوات الثمانينات من القرن الماضي. دفع البهلوان ثمن هذا. كان البهلوان يعيش حياة بئيسة مطابقا واقعه بأدائه، لا يتظاهر بالعكس أبدا. لذلك يرى أن المسرحية الحقيقية هي التي تجرى في المجال السياسي بين زعماء يعيشون حياة مرفهة ويناضلون شفويا من أجل الفقراء.

علاقة صدامية مع شقيقه في الحرفة؟

كان البهلوان يعيش بخير وهو يسخر من نفسه ومن العالم، وصدم حين شاهد نفسه أول مرة على شاشة التلفزيون وهو موضوع استهزاء من طرف بهلوان سمين بربطة عنق (أداء روبير دونير). حينها أدرك جوكير أنه مجرد “بهلوان” وليس جوكيرا، لأن الجوكير ورقة رابحة.

سال الدم لتسوية الحساب مع بهلوان سعيد وشبعان جعل من ارثور فليك أضحوكة. كانت تلك نظرة المجتمع البورجوازي للبهلوان.

البهلوان الذي يدعي الحمق فن قديم والسينما فن حديث يتضافران في الجوكير الذي لا يهدأ في البيت أو على الخشبة. لا يوجد فاصل بين حياة البهلوان وفنه، إنهما متمازجان. لقد أدرك حقيقة حياته، بينما يحاول تسلية الآخرين. لا أدري من قال: “الفن كذبة ندرك بواسطتها الحقيقة”.

تركز الكاميرا على جسد ممثل بهلوان وحيد كما في “سكيتش”، وهكذا فرضت الفرجة إخراجا ممسرحا.

تحب الكاميرا الحبكة السلوكية الخارجية التي يسهل تصويرها. في كل مشهد هناك مثير تترتب عنه استجابة. سلوك قابل للقياس والتقويم بدل محاولة تصوير ما يجري في اللاوعي ولا تراه الكاميرا.

هنا نجر الروس بقوة

من جديد، يظهر وزن الروس في السينما، فلادمير بروب أسس السرديات. وإيفان بافلوف قاد الأبحاث حول فيزيولوجيا النشاطات العصبية الحركية…

كل هذا خدم الفيلم، وقد قدم يواكين فيونيكس أداء يعبر بالمتفرج من كل العواطف، يتماهى المتفرج مع الممثل، يتماهى مع البطل ذي الأقنعة.

من منا لا يحتفظ بأقنعة احتياطية لاستخدامها في وضعيات حرجة؟ كم من قناع ملون (فوتو شوب) يضعه الفرد على صورته قبل نشرها على فيسبوك؟

بسبب هذا التشابه في الحاجة إلى الأقنعة، فرغم كمية الكوميديا في الفيلم، فإن المشاهد يخرج وعلى روحه بصمة فرجة مؤذية.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.