سياسة

هكذا أفشل المغرب مخطط إسبانيا للسيطرة على “الجرف القاري”

صادق البرلمان المغربي على مشروعي قانون ترسيم الحدود البحرية للمغرب على ساحل المحيط الأطلسي يوم الأربعاء 22 يناير الماضي. وبالنظر إلى تداخل المنطقة البحرية المعنية بالقانونين مع المنطقة البحرية لجزر الكناري، فقد خلق القرار المغربي لغطا كبيراً في إسبانيا. فمنذ اعتماد مشروع القانون من طرف لجنة الشؤون الخارجية والإسلامية والمغاربة المقيمين بالخارج في منتصف دجنبر الماضي، سارعت وسائل الإعلام الإسبانية إلى إلقاء الضوء على الخطر الذي تشكله هذه الخطوة على المصالح الإسبانية، وهاجمت المغرب كعادتها واتهمته بإعادة سيناريو سياسة الأمر الواقع التي فرضها على إسبانيا خلال المسيرة الخضراء سنة 1975 بينما كان الجنرال فرانكو يحتضر. ومن جهة أخرى، كان هناك إجماع لدى الأحزاب السياسية حول ضرورة تدخل الحكومة الإسبانية لمنع المغرب من فرض ما وصفته بسياسة الأمر الواقع.

لاعتبارات إستراتيجية واقتصادية مرتبطة بالثروات النفطية والمعدنية التي تزخر بها المنطقة البحرية المقابلة للسواحل المغربية، بما فيها الكوباتوالتيلوريوم، فإن بسط سيادة إسبانيا على المنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري لهذه المنطقة يعتبر من أهم أولويات الحكومات الإسبانية المتعاقبة خلال العقود الأربعة الماضية.

في المقابل، فإن ممارسة المغرب سيادته على المنطقة يكتسي أهمية سياسية كبيرة، خاصة أن الجرف القاري الذي تسعى إسبانيا إلى ضمه لسيادتها يتداخل مع الجرف القاري للأقاليم الصحراوية؛ وبالتالي فإن أي تقاعس من المغرب كان سيؤدي إلى فقدان حقوقه السيادية على تلك المنطقة؛ ومن ثم جاءت الخطوة التي أقدم عليها البرلمان المغربي بتحيين ترسانته القانونية بشكل يخول له ترسيم حدود البلد البحرية وحماية مصالحه.

وفي وقت أكد المغرب على الطابع السيادي للخطوة التي أقدم عليها، عمل على طمأنة الإسبان، إذ أبدى وزير الشؤون الخارجية المغربي، ناصر بوريطة، استعداده للتفاوض مع نظيرته الإسبانية على حل عادل يكفل مصالح البلدين.

رفض المغرب سياسة الأمر الواقع

على عكس ما روجته وسائل الإعلام الإسبانية فإن القرار المغربي يسعى قبل كل شيء إلى بعث رسالة للحكومة الإسبانية، مفادها أن سياسة الأمر الواقع غير قائمة في العلاقات بين البلدين، وأن أي ترسيم لحدودهما البحرية يجب أن يتم وفق مفاوضات مبنية على مبدأ الإنصاف. في الواقع أن المغرب من خلال اعتماد القانونين المذكورين أعلاه يحاول تدارك التأخير الذي لحق ترسانته القانونية وتحديثها حتى تكون متوافقة مع بنود اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لسنة 1982.

بالإضافة إلى ذلك، يسعى المغرب إلى منع إسبانيا من وضع نفسها كطرف وحيد يحق له تعيين حدود الجرف القاري بين جزر الكناري والساحل المغربي؛ فعلى الرغم من أن اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار تنص بشكل واضح على أن ترسيم المنطقة الاقتصادية والجرف القاري بين دولتين ساحليتين متجاورتين يجب أن يتم عن طريق المفاوضات، فقد سعت إسبانيا إلى أخذ المغرب على حين غرة عبر تقديم طلب إلى لجنة حدود الجرف القاري تسعى من خلاله إلى تأكيد سيادتها على الجرف القاري على حسابه.

وفقا للمادة الرابعة من الملحق الثاني لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، يتعين على الدولة التي تسعى إلى ترسيم الحدود الخارجية لجرفها القاري لما يزيد عن مائتي ميل بحري أن تقدم البيانات الداعمة لطلبها إلى لجنة حدود الجرف القاري، في غضون عشر سنوات بعد مصادقتها على الاتفاقية. في مايو 2009، قدمت إسبانيا مشروعها إلى اللجنة، محترمة الموعد النهائي الذي حددته الاتفاقية، ثم في عام 2014، قدمت مدريد عرضها الجزئي للبيانات العلمية الداعمة لمطالبها بشأن الحدود الخارجية للجرف القاري. وقدمت إسبانيا عرضا شفهيا أثناء الدورة الثامنة والثلاثين للجنة حدود الجرف القاري التي عقدت في نيويورك ما بين 20 يوليوز و4 شتنبر 2015.

وأظهرت العروض الإسبانية أمام لجنة حدود الجرف القاري، سواء الكتابية أو الشفهية، سوء نية مدريد، إذ نفت وجود أي نزاع مع طرف آخر في المنطقة المطالب بها

لكن المغرب، بطبيعة الحال، كان له رأي مخالف، ففي كل من عام 2009 وعام 2015، أرسلت الرباط مذكرتين شفهيتين إلى الأمم المتحدة اشارت فيهما إلى أن المنطقة التي تطالب بها إسبانيا تتداخل مع الجرف القاري المغربي، وأن هنالك نزاعا بين البلدين حول تلك المنطقة.

في الوقت ذاته، كان من المفترض أن يقدم المغرب ملفه العلمي إلى لجنة حدود الجرف القاري قبل الثلاثين من مايو 2017، بما أنه صادق على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار عام 2007، غير أن الرباط لم تقم بذلك. ولتدارك الأمور وتفادي فقدان المغرب حقوقه السيادية على المنطقة المتنازع عليها، أرسل مذكرة شفهية إلى الأمم المتحدة في يونيو 2017 طلب فيها من الأمانة العامة للأمم المتحدة اعتبار المعلومات الأولية الجزئية المرفقة بالمذكرة الشفهية المرسلة بتاريخ 29 يوليوز 2015 على أنها تفي بمقتضيات الاتفاقية بخصوص المعلومات الأولية المرتبطة بجرفه القاري.

إحباط المغرب للخطة الإسبانية

لو لم يقم المغرب بإرسال هاته المذكرة الشفوية في آخر رمق، لكان فقد حق المطالبة بجرفه القاري، فقد تجنب هذا السيناريو مستفيدا من بند في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار يسمح للبلدان النامية بتقديم المعلومات الأولية فقط إلى لجنة حدود الجرف القاري، مع إشارة إلى التاريخ الذي تنوي فيه الدولة المعنية تقديم الطلب النهائي.

من خلال تقديم الملف الأولي عام 2017، أحبط المغرب المخطط الإسباني الهادف إلى جعل إسبانيا الطرف الوحيد الذي تحق له المطالبة بالجرف القاري المتنازع عليه.

وبمجرد أن رفض المغرب الخطوة الإسبانية الرامية إلى ترسيم حدود الجرف القاري من جانب واحد، فقدت مدريد أي إمكانية بأن تنطق لجنة حدود الجرف القاري بحكم لصالحها. وفقا للفقرة الخامسة من الملحق الأول من النظام الداخلي للجنة حدود الجرف القاري، ففي الحالات التي يوجد فيها نزاع بري أو بحري، لا تقوم اللجنة بالنظر في أي طلب مقدم من أحد أطراف النزاع.

وتمثل القوانين المغربية الجديدة حول ترسيم الحدود البحرية مقدمة لعرض الملف المغربي على لجنة حدود الجرف القاري في أجل لن يتعدى يونيو 2022. في هذا الصدد، ينبغي التأكيد أنه في حال قدم المغرب طلبه النهائي، فلن تقوم اللجنة المذكورة أعلاه بالبت فيه، نظرا لوجود نزاع حول الصحراء. غير أن الهدف من الطلب المغربي لا يتمثل في الحصول على رد إيجابي من اللجنة بقدر ما يسعى إلى دفعها إلى رفض الطلب الإسباني بسبب الخلاف القائم بين البلدين حول ترسيم حدودهما البحرية.

بناءً على ذلك، يمكن القول إنه من خلال اعتمادها للقوانين الجديدة فإن الحكومة المغربية لا تسعى إلى فرض سياسة الأمر الواقع على إسبانيا بقدر ما تسعى إلى منعها من التعدي على حقوق المغرب ومصالحه الإستراتيجية، وإجبارها على التوصل إلى حل توافقي.

المغرب يجس نبض الحكومة الإسبانية الجديدة

يعكس توقيت تبني القانونين الجديدين نية المغرب جس نبض الحكومة الإسبانية الجديدة، والتأكد من مدى استعدادها للحفاظ على نفس مستوى التعاون والتنسيق الذي تميزت به العلاقات الثنائية بين الرباط ومدريد على مدى الخمس عشرة سنة الماضية. لقد كان قرار المغرب منتظرا أكثر من أي وقت مضى، نظرا لانضمام حزب بوديموس اليساري المعروف بدعمه لجبهة البوليساريو إلى الائتلاف الحكومي الإسباني الجديد.

وقد أظهرت إستراتيجية الرباط ثمارها حين أكدت مدريد أنه لن يتم ترسيم الحدود البحرية بين البلدين إلا عن طريق المفاوضات؛ كما جددت دعمها للعملية السياسية بقيادة الأمم المتحدة في ملف الصحراء. وبعد اجتماعها مع الوزير بوريطة يوم 24 يناير الماضي، أعلنت وزيرة الخارجية الإسبانية أرانشا غونزاليس لايا أن المغرب له الحق في ترسيم الحدود البحرية، وشددت على ضرورة إيجاد حل لتداخل الحدود البحرية بين البلدين من خلال المفاوضات؛ أما في ما يتعلق بملف الصحراء، فأكدت أن موقف بلدها لن يتغير بسبب تغيير الائتلاف الحكومي، مطمئنة المغرب بأن تواجد حزب بوديموس في الحكومة الإسبانية لن يؤثر على الموقف الإسباني.

مبدأ المساواة أم مبدأ الإنصاف؟

تعد الطريقة التي يجب اتباعها في تحديد المناطق البحرية للبلدين إحدى أهم العقبات التي ستواجه المفاوضات الثنائية بين الرباط ومدريد، إذ إن إسبانيا تنادي بتطبيق مبدأ المساواة، في حين أن المغرب يدعو إلى تطبيق مبدأ الإنصاف، شأنه شأن أغلبية الدول.

وبالنسبة للمغرب، لا يمكن تطبيق الطريقة التي تدعو إليها إسبانيا لأن جزر الكناري لا تشكل دولة مستقلة وإنما أرخبيلا منفصلا جغرافيا عن بلده الأم، ما يحتم ضرورة اتباع مبدأ الإنصاف. فبالنظر إلى التفاوت الجغرافي الكبير بين المغرب وجزر الكناري فإن تطبيق طريقة المساواة أو خط الوسط ستؤدي إلى تضييق غير عادل للجرف القاري المغربي، وهو ما ترفضه الرباط رفضا تاما.

ويدعم القانون الدولي والاجتهاد القضائي أو الممارسة الدولية (international jurisprudence) الموقف المغربي، ذلك أن أحكام اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، لاسيما المادتان 76 و83، تدعو إلى تطبيق مبدأ الإنصاف وتؤكد على ضرورة أن يسفر تحديد الجرف القاري عن حل عادل. علاوة على ذلك فإن الممارسة الدولية كرست تطبيق هذه الطريقة من قبل. ولعل أبرز القضايا المشابهة التي لها مرجعية مهمة في هذا السياق هي الحكم الذي أصدرته محكمة العدل الدولية سنة 1985 حول النزاع بين ليبيا ومالطا، والذي آل لصالح ليبيا. وقد كانت حالة الجرف القاري بين البلدين مشابهة للحالة المغربية الإسبانية في جزر الكناري. ومنذ صدور هذا الحكم، أصبحت الطريقة المستخدمة لتحديد الجرف القاري هي استعمال مبدأ المساواة كنقطة انطلاقة وتصحيح الحدود مع أخذ الظروف الخاصة (relevant circumstances) بعين الاعتبار للتوصل لحل منصف، وهو ما ينطبق على حالة المغرب وجزر الكناري.

المفاوضات هي الحل الوحيد أمام البلدين

على ضوء الأبعاد السياسية والقانونية لترسيم الحدود البحرية بين المغرب وإسبانيا، يظهر جليا أن التفاوض هو الطريقة الوحيدة التي يمكن أن تؤدي إلى حل وسط بين البلدين، لاسيما أن اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار تجعل من المفاوضات السبيل الوحيد لحل النزاعات القائمة بين الدول الساحلية التي تتداخل سواحلها أو تتقابل. وبالتالي سيتعين على الرباط ومدريد الامتناع عن تبني مواقف متشددة لا تأخذ بعين الاعتبار مصالح وانشغالات الطرف الآخر.

على أي حال فإن النضج الذي وصلت إليه العلاقات بين البلدين خلال العقد الماضي سيدفع البلدين من دون أي شك للتوصل إلى حل توافقي يضمن حماية مصالحهما، خاصة أن البلدين يحتاجان لبعضهما البعض، سواء على المستوى الاقتصادي أو السياسي أو الأمني؛ فقد أصبحت إسبانيا الشريك الاقتصادي الأول للمغرب في السنوات الست الماضية متجاوزة فرنسا. ومن جهته، يلعب المغرب دورا رئيسيا في نجاح السياسات الإسبانية المتعلقة بالهجرة والأمن، وهو المكسب الذي تعيه كل الحكومات المتعاقبة منذ عام 2004 وتسعى إلى الحفاظ عليه.

من ناحية أخرى، حظي المغرب على مدار العقد الماضي بدعم ضمني من إسبانيا بخصوص قضية الصحراء؛ فبينما كانت إسبانيا لفترة طويلة من بين الدول الداعية لحل هذا النزاع عن طريق استفتاء تقرير المصير، توقفت عن استعمال هذا الخطاب المعادي للمصالح المغربية، وأصبحت من الدول الداعمة للتوصل لحل سياسي متوافق عليه تماشياً مع جميع القرارات التي اعتمدها مجلس الأمن منذ أبريل عام 2007.

بالإضافة إلى ذلك فإن إسبانيا، شأنها شأن فرنسا، هي الداعم الرئيسي للمغرب داخل الاتحاد الأوروبي، فقد لعبت دورا رئيسيا في رفع ميزانية الاتحاد الأوروبي المخصصة له للتصدي الهجرة غير الشرعية. علاوة على ذلك، وفي أعقاب الأحكام الصادرة عن محكمة العدل الأوروبية التي أبطلت اتفاق الصيد البحري والاتفاق الفلاحي بين المغرب والاتحاد الأوروبي، بحجة أن الصحراء ليست خاضعة للسيادة المغربية، كانت إسبانيا في مقدمة الدول التي ضغطت على الاتحاد من أجل استئناف تلك الأحكام والحرص على إدراج الصحراء في الاتفاقية الجديدة للصيد البحري التي وقعت في شهر يوليوز 2019.

بناءً على ذلك، فلن يستفيد أي من الجانبين من أي توتر محتمل في علاقاتهما بسبب الخلاف القائم بخصوص حدودهما البحرية. وفي ظل غياب إمكانية توصلهما إلى حل نهائي لهذا النزاع بسبب استمرار النزاع حول الصحراء، سيكون حريا بالرباط ومدريد التوصل إلى صيغة توافقية تمكنهما من إدارة هذا الملف بروح من التفاهم والتعاون.

>