الرئيسية مجتمع هكذا تتجلى “أبهة الحكم” في فخامة اللباس السلطاني بالمغرب

هكذا تتجلى “أبهة الحكم” في فخامة اللباس السلطاني بالمغرب

كتبه كتب في 2018-11-29 - 5:25 م

يعتبر اللباس من أهم وسائل رسم معالم السلطة وشاراتها السياسية، وخضع ذلك لتقاليد متوارثة همت الخلع والإنعام والإحسان والعطاء، كما ارتبطت بالإمكانيات المادية للدولة، وإصرار السلاطين على أن يكتسي ملكهم طابعا من الرفعة والسمو ويزداد به بهاء وبهجة وهيبة.

وفي هذا الصدد، أشار ابن خلدون في مقدمته إلى ما يلي: “اعلم أن للسلطان شارات وأحوالا تقتضيها الأبهة والبذخ، فيختص بها ويتميز بانتحالها عن الرعية والبطانة وسائر الرؤساء في دولته. فحسن الزي تعظيم للأمر، وتفخيم له به ترسيخ هيبة الدولة، وتضفي عليها طابع الإجلال والوقار، وهو جزء لا يتجزأ من مراسيم أخرى تشمل المراكب، وآلة الحرب والألوية وغيرها”.

وبالتالي، فقد حرص السلاطين، خاصة في عهد المرينيين والسعديين، على إحاطة حكمهم بمظاهر الأبهة والفخامة بما في ذلك الثياب التي كانوا يلبسونها. ولعل مما يوضح ذلك ما أشار إليه المؤرخ اليفرني حول تأثر السعديين بالمراسيم المرينية؛ إذ كتب بهذا الصدد ما يلي:

“لما دخل الشيخ، أي محمد الشيخ السعدي–حضرة فاس–دخلها وعليه وعلى أصحابه الدراعات الصفر وسمة البداوة لائحة عليهم، فحملوا أنفسهم على التأدب بآداب الحاضرة والتخلق بأخلاقهم حتى رسخ فيهم ذلك”، مضيفا في هذا السياق أن “ملك السعديين إنما تأنق على يد رجل وامرأة، فأما الرجل، فقاسم الزرهوني فإنه رتب للسلطان أبي عبد الله الشيخ هيئة السلاطين في ملابسهم ودخولهم وخروجهم وآداب أصحابهم، وكيفية مثولهم بين أيديهم. وأما المرأة، فالعريفة بنت خجو فإنها علمته سيرة الملوك في منازلهم وحالاتهم في الطعام واللباس وعاداتهم مع النساء وغير ذلك، فاكتسى ملك الشيخ بذلك طلاوة، وازداد في عيون العامة رونقا وحلاوة بسبب جريانه على العوائد الحضرية”.

القفطان السلطاني والتميز السياسي

بالإضافة إلى ما ذكره ابن خلدون من حرص السلاطين المرينيين على أن توشم ملابسهم بأسماء خاصة بهم فيما أسماه بالطراز، فقد اتخذ السلطان أبوعنان لباسا بلون أبيض شعار الدولة، وكان يلبس فوقه المصفح الملوكي إضافة إلى غفار حمراء، والمصفح عبارة عن صدار من الصفائح المعدنية المثبتة فوق نسيج خاص لحماية جسد المحارب من الضربات، ويسمى أيضا الجوشن.

كما وصف أحد مرافقي السفير الإسباني في مهمة رسمية للسلطان المنصور الذهبي بعد موقعة وادي المخازن أن “الملوطة هي لباس مطابق للقفطان، تزيا بها القائد المعروف بالمنصور، المكلف من قبل السلطان أحمد المنصور الذهبي باستقبال وفود السفارات الأجنبية بمدينة آسفي، وشغل مهمة قائد الموكب، المعروف بقائد الرحى، اتخذها من المخمل القرمزي (القطيفة)، ولبس تحتها قفطانا آخرا من الدمقس، وهو نسيج مشجر بلون أخضر، قد يكون نوعا من الحرير، وتقلد سيفا محلى بالذهب ومرصعا بالجواهر ومثبتا على محمل من النسيج الذهبي، وعلى طول الرحلة من مدينة آسفي إلى مدينة مراكش، كان القائد المنصور يغير ملابسه باستمرار، فيضع على جسده ملوطة من الديباج المذهب تتخلل نسيجه جديلات من الحرير، وأزياء أخرى فاخرة. وأثناء دخول الموكب مدينة مراكش، يغير الملوطة بأخرى من نسيج فضيز وقد تميزت القاعة التي استقبل فيها السلطان السعدي هذا السفير، بحضور عشرة قواد، وحارسين لأبوابهما، عليهما اللباس المعروف بالملوطة، ويفيد القفطان”.

وقد بقي التأثير التركي في لباس السلاطين حاضرا بقوة حتى في عهد السلاطين العلويين، فقد ذكر المؤرخ ابن زيدان أن “السلطان المولى الرشيد… كما كان جريا على عادة السادة من علية القوم من الأتراك، أنيق المظهر رائق القوام، يرتدي قفطانا جميلا ويغطي رأسه بطربوش تحيط به عمامة ملفوفة، ويحتذي بلغة حمراء ويتقلد سيفا وخنجرا. وكان خلفه السلطان المولى إسماعيل بدورة يرتدي زيا أقرب ما يكون إلى لباس الأتراك”.

كما أن “السلطان سيدي محمد بن عبد الله، وابنه الأمير مولاي عبد السلام وباقي الأسرة السلطانية، كانوا كلهم يرتدون القفاطين ذات الألوان الزاهية والحواشي الناعمة، ويغطون رؤوسهم بالعمائم الموسومة بأشرطة الحرير”.

المضمة السلطانية وتكريس الزعامة السياسية

تميز السلاطين المرينيون بأحزمة خاصة ومميزة، خاصة أثناء قيادتهم للجيش ورئاسة الحملات العسكرية، سواء في مواجهة تمردات القبائل أو في مواجهة الجيوش الأجنبية بالمنطقة المغاربية أو بشبه الجزيرة الإيبيرية. بصفة السلطان قائد الجيوش، كان يشد وسطه بحزام أو مضمة من الفضة أو الذهب التي كانت لا تشد إلا في الحرب أو يوم التمييز الذي يستعرض فيه السلطان الفرق العسكرية التي يتكون منها جيشه.

ونظرا لصنعها من الفضة والذهب فقد كان وزنها ثقيلا غير أن مظهرها كان مثيرا وملفتا؛ إذ كانت تزين ببعض الأحجار الكريمة كالياقوت واللؤلؤ. ولعل هذا ما كان يضفي على السلطان هالة عسكرية خاصة تميزه عن باقي القواد ورؤساء الجيش. فقد كانت هذه المضمة بمثابة تكريس للقيادة العليا للجيش السلطاني فيما يشبه النياشين التي عادة ما كانت تميز ماريشالات الجيوش الحديثة عن باقي الجنرالات وقواد الجيش، فلمعان هذه المضمة وقيمتها المادية المتجلية في صنعها من الذهب والفضة يكرس تميز السلطان داخل هرمية الجيش.

وقد اقتبس السلاطين السعديون هذه الموضة في اللباس وعملوا على تطويرها. وهكذا، تميز السلطان المنصور الذهبي، باتخاذه القفطان الذي هو معطف طويل بأكمام طويلة، وفوقه شبه معطف آخر خفيف يغلق بأزرار ويسمى بالمنصورية نسبة إلى اسم هذا السلطان الذي ابتكرها. وللتغلب على فضفضة اللباس الذي لا يساعد على خفة الحركة استعملت المضمة (هذا الحزام العريض الذي يضم الجسم ضما).

القلنسوة السلطانية والرفعة السياسية

في بداية النظام المريني، اتخذ أبو الحسن المريني وأشياخ بني مرين وعامة الجند من نسيج الكتان الرقيق عمامة كانت توضع على رؤوسهم، طويلة قليلة العرض. لكن تم التراجع عن العمامة كزي رسمي ابتداء من حكم السلطان أبي عنان.

وفي العهد السعدي، اتخذتها فرقة من خواص أمور الملك من الطبقة العليا من الجيش، وكانت عمائمهم ضخمة ومزركشة ومحكمة. كما كان السلطان عبد الملك السعدي يلبس القفطان التركي ويضع العمامة على رأسه، وكانت على رأس محمد الشيخ عند حصاره لحصن فونتي عمامة، حيث رمى بها إلى الأرض لتحفيز الجيش على مواصلة القتال.

لكن في عهد السلطان المنصور الذهبي، ولإظهار أبهة الحكم وعظمته، سواء على الصعيد الداخلي أو الخارجي، فقد تم الحرص على اتخاذ قلنسوة تضاهي تيجان الملوك المسيحيين من خلال تزيينها بالمجوهرات والأحجار الكريمة. ففي استقباله لسفير الملك الإسباني فيليب الثاني الذي أتى لتهنئته بانتصاره في معركة وادي المخازن على جيش سيبستيان البرتغالي، حرص هذا السلطان على الظهور بمظهر ملوكي خاص وصفه هذا السفير من خلال ما يلي:

“يلبس جلالته صدارا وسروالا من نسيج ذهبي قرمزي اللون، وجوارب من الحرير من المخمل بلون قرمزي مزينين بحلقات ذهبية، وقميص جميل مطرز بالذهب والمجوهرات مع حزام عريض، وسيف وخنجر ذهبي مطرق، وقلنسوة من المخمل سوداء مزينة بشريط متوازي مستدير من العقيق وفي وسطها مجوهرات جميلة، وقطعة من الماس على شكل صليب، تتدلى منها لؤلؤتان دقيقتان، ثم قلادة من الذهب مزينة من الماس جيدة الصنع، تتدلى في وسطها صفيحة جميلة جدا من الياقوت الأحمر”.

النعل السلطاني والأبهة السياسية

يعد الخف أهم لباس للقدمين ميز فترة حكم الأمراء المرابطين والموحدين، ليتخذ في عهد السلاطين المرينيين والوطاسيين شكلا من أشكال الأبهة السياسية. وهكذا يظهر، كما كتب محمد مقر في مؤلفه “اللباس المغربي من بداية الدولة المرينية إلى العصر السعدي”، أن “الخف على غرار القبقاب كان من تقاليد موكب البلاط الملكي في الاحتفالات الرسمية في العصر الوطاسي، ففي الأعياد الرسمية ويوم الجمعة، يخرج الملك في أبهة يحمل ثالث خفين فاخرين يأخذهما الملوك معهم للزينة فقط، لأنهم لا يستعملونها أبدا، وإذا قطع واديا، اصطف من حوله جميع خدمه المقربين والمسلحين، فيغطون رجليه بمعاطفهم وستراتهم حتى لا يصيبه بلل”، كما أصبحت من تقاليد موكب البلاط الملكي، خاصة في الاحتفالات الرسمية، أن يحمل “خادم قباقب الملك، وهي أحذية من خشب مزدانة بتطريزات متناهية الجمال تعد من مظاهر الأبهة والفخامة”.

أما في عهد السلاطين السعديين، فقد أصبحت البلغة بألوانها ونوعية الجلد المصنوعة منه هي ما يميز “لباس” الأرجل السلطانية. فقد “لبس السلاطين السعديون، بالإضافة إلى النعال، والأخفاف، والسباط، البلغة مزخرفة ومطرزة تجمع بين الفراش الجلدي والمخمل”، في حين لبس السلاطين العلويون (عبد الرحمان بن هشام، ومولاي الحسن، ومولاي عبد العزيز…) البلغة الصفراء المفتوحة من الخلف، وقد اتخذت هذا اللون منذ عهد السلطان العلوي المولى إسماعيل الذي يقال إنه أمر بوضع هذا اللون بعد تحريره للعديد من الثغور المغربية وتخليصها من ربقة الاستعمار الأوروبي بعدما كان لون بلاغي السكان أسود حدادا على احتلال هذه المدن.

وهكذا بقي هذا اللون هو السائد داخل البلاط السلطاني العلوي؛ إذ كان السلطان مولاي الحسن، سواء في جلوسه لتسيير شؤون الحكم اليومية أو في تنقلاته عبر المدن ومناطق المغرب، يحتذي بلغة مخزنية صفراء. وعلى هذا الغرار، درج ابنه مولاي عبد العزيز حيث وصف غابرييل فير إحدى مواكب هذا السلطان من خلال ما يلي:

“ظهر سيدنا متشحا بالبياض، حيث كانت جلابته تشع ببياض مثير، الذي لم يكسره سوى لون بلغته الصفراء الفاقع والتي لا ينتعلها إلا مرة واحدة. في حين كانت رجلا السلطان متلفعتين بجوارب ذات لون أحمر قانٍ يختلف عن الجوارب البيضاء التي تعود لبسها”.