أسعار النفط فوق 100 دولار والمخزون محدود زمنيا.. أي خيارات أمام المغرب؟
قال الدكتور المهدي قيل، أستاذ الاقتصاد والتدبير، إن التطورات الأخيرة في سوق النفط العالمي تفرض على المغرب الانتقال من منطق تتبع الأسعار إلى منطق إدارة الصدمة، في ظل ظرف دولي تتحول فيه المخزونات الطاقية إلى أداة ضغط جيوسياسي، مشددا على أن الأولوية بالنسبة للمملكة تتمثل في ضمان استمرارية التزود وتقليص كلفة الصدمة على الاقتصاد الوطني.
وأوضح قيل، في ترصيح له، أن المعطى الأهم بالنسبة للمغرب لا يرتبط بالمستوى اليومي للأسعار، بل باستمرارها فوق عتبة 100 دولار للبرميل لفترة ممتدة، وهو ما ينعكس مباشرة على فاتورة الاستيراد وتكاليف النقل وأسعار السلع، مبرزا أنه بتاريخ 31 مارس 2026 بلغ سعر خام غرب تكساس نحو 100.8 دولار للبرميل وفق بيانات الأسواق، في سياق اتسم بارتفاعات حادة منذ أواخر فبراير نتيجة اضطرابات الإمدادات المرتبطة بالحرب.
وفي هذا السياق، أشار إلى أن المغرب يتوفر، حسب معطيات رسمية صادرة في التاريخ نفسه، على أكثر من 47 يوما من مخزون الغازوال، وأكثر من 52 يوما من البنزين، وحوالي 38 يوما من غاز البوتان، معتبرا أن هذه المستويات تمنح هامشا قصيرا إلى متوسط الأمد لتأمين السوق، لكنها لا ترقى إلى مستوى “درع كامل” في حال استمرار الأزمة أو تفاقم اختناقات الشحن والتأمين والتزويد.
وسجل أن انتقال مجلس المنافسة من تتبع فصلي إلى مراقبة شهرية لأسعار المحروقات يعكس إدراكا بوجود ضغط مزدوج، لا يتعلق فقط بالسعر الدولي بل أيضا بسرعة تمرير التغيرات وهوامش الربح داخل السوق الوطنية، مبرزا في السياق ذاته أن فتح باب الدعم الاستثنائي لمهنيي النقل الطرقي يعكس توجها نحو امتصاص الصدمة عبر تدخلات موجهة بدل دعم شامل يثقل المالية العمومية.
وعلى المستوى الدولي، أوضح قيل أن الأزمة الراهنة تعكس تحولا في طبيعة سوق النفط، حيث عاد ليتصرف كسلعة جيوسياسية تتأثر بالأحداث العسكرية والدبلوماسية، مشيرا إلى أن دولا كبرى لجأت إلى استخدام مخزوناتها الاستراتيجية لكسب الوقت، إذ قررت وكالة الطاقة الدولية في 11 مارس 2026 تنفيذ أكبر سحب في تاريخها بلغ 400 مليون برميل من احتياطيات الطوارئ، فيما أعلنت الولايات المتحدة تحرير 172 مليون برميل من احتياطيها الاستراتيجي ضمن هذا الجهد المنسق.
وأضاف أن الضغوط لا تقتصر على النفط، بل تمتد إلى الغاز، حيث دخلت بعض الدول الأوروبية، مثل هولندا، فصل الربيع بمستويات تخزين منخفضة جدا بلغت 5.8 في المائة، وهو أدنى مستوى منذ عقد على الأقل، في حين بدأت بعض الدول الآسيوية تعتمد أساليب غير تقليدية لتأمين الإمدادات، من بينها المقايضة والصفقات الاستثنائية، ما يعكس انتقال الأزمة من مستوى الأسعار إلى مستوى أمن التزود.
وفي ما يتعلق بقطاع الطيران، أبرز المتحدث أنه يعد أول المتأثرين بالأزمة بحكم حساسيته لأسعار الوقود وتوفره الفعلي، مشيرا إلى أن تقارير إعلامية نقلت عن شركات طيران صينية كبرى أن أسعار وقود الطائرات تضاعفت تقريبا منذ بداية الصراع، وهو ما يضغط على الربحية، في حين أعلنت فيتنام خفض رحلاتها بسبب قيود في التزود، كما طلبت باكستان من شركات الطيران الأجنبية حمل وقود العودة معها كإجراء احترازي وسط اضطراب سلاسل الإمداد.
وفي قراءته لتداعيات الأزمة على الاقتصاد العالمي، أوضح قيل أن صندوق النقد الدولي يعتبر أن العامل الحاسم لا يكمن في الصدمة السعرية في حد ذاتها، بل في مدة استمرارها، مبرزا أن ارتفاع أسعار الطاقة بنسبة 10 في المائة لمدة سنة قد يرفع التضخم العالمي بنحو 0.4 نقطة مئوية ويخفض الناتج العالمي بما بين 0.1 و0.2 في المائة، محذرا من أن استمرار الأزمة لأكثر من مائة يوم قد يؤدي إلى موجة تضخمية ثانية عبر النقل والمواد الغذائية والمدخلات الصناعية، مع تشديد الأوضاع المالية والضغط على العملات، وهو ما يضر بشكل خاص بالدول المستوردة للطاقة من خلال اتساع عجز الحساب الجاري واستنزاف احتياطيات النقد الأجنبي.

وبخصوص الطابع الجيوسياسي للأزمة، شدد قيل على أنه لا يمكن الجزم بكونها “حربا مقصودة ضد الصين” في غياب أدلة رسمية، لكنه أكد أن آسيا، وعلى رأسها الصين، تبقى الأكثر عرضة للتأثر بحكم اعتمادها الكبير على تدفقات الطاقة عبر مضيق هرمز، حيث تتجه نحو 84 في المائة من النفط الخام و83 في المائة من شحنات الغاز الطبيعي المسال المارة عبر المضيق إلى الأسواق الآسيوية، مبرزا أن أي تعطيل مطول لهذا الممر أو للبنية التصديرية الإيرانية، خاصة جزيرة خرج التي تمر عبرها نحو 90 في المائة من صادرات إيران النفطية، من شأنه أن يؤدي إلى صدمة عرض عالمية ترفع الأسعار وتزيد حدة المنافسة على الشحنات.
وخلص الأستاذ الجامعي إلى أن المغرب مطالب، في ظل هذه المعطيات، باعتماد حزمة إجراءات عملية، من بينها تعزيز مرونة عقود التوريد، ورفع هامش الأمان في المنتجات الأكثر حساسية للاقتصاد، خاصة الغازوال ووقود الطائرات، عبر توسيع قدرات التخزين وتشديد مراقبة الالتزام بالمخزون، إلى جانب إرساء آليات تدخل مؤقتة وموجهة لتخفيف أثر ارتفاع الأسعار على النقل والقدرة الشرائية، مثل تخفيضات ضريبية محدودة زمنيا ومشروطة بسقوف سعرية واضحة، مع تعزيز الرقابة على هوامش الربح لضمان انعكاس أي تراجع في الأسعار الدولية على السوق الوطنية، وذلك بما يسمح بمرافقة الأزمة بأقل كلفة ممكنة إلى حين استعادة السوق العالمية لتوازنها.