أنامل نسائية تحافظ على فن التطريز الفاسي من الاندثار
في تشابك أزقة المدينة العتيقة، خلف الأبواب الخشبية المنقوشة التي ت خفي أسرارها، ما زالت أنامل ماهرة تروض الإبرة بدقة الصائغ. وفي زمن تطغى فيه المكننة في كل المجالات، تواصل نساء، في صمت الورشات المنزلية أو داخل التعاونيات، الحفاظ على حركات نبيلة توارثنها، صونا لفن التطريز الفاسي.
وبفضلهن، تواصل هذه الحرفة، الذي ت عد بصمة مميزة للعاصمة الإدريسية، والمشهود لها بدقة غرزاتها وتناسق زخارفها الهندسية، الصمود في وجه تقلبات الزمن وارتفاع التكاليف وتغير أنماط العيش. فكل خيط حريري ي نتقى بعناية فائقة، لينسجم مع نسيج القماش وي بدع مفارش ووسائد وقفاطين وستائر تنتقل عبر الأجيال.
ويكفي تأمل هؤلاء النساء أثناء اشتغالهن لإدراك عمق التزامهن؛ إذ لا يكسر صمت المكان المهيب سوى حفيف الأقمشة وهمس الإرشادات.
انخراطهن في هذا الفن يكاد يكون طقسا روحيا، فالتطريز الفاسي لا يقتصر على الزخرفة، بل يروي حكايات الفصول والحدائق، ويجسد زخارف الزليج، ويخلد الأعراس والاحتفالات. إنه يوثق تجربة إنسانية وذاكرة جماعية لا تستطيع الكتب نقلها بصدق.
وت عد أمينة ميلان، وعرفي أم كلثوم، وسميرة رشيد من بين حارسات هذا الفن، اللواتي يواصلن ممارسته ونقله عبر الأجيال، في امتداد لأكثر من ألف سنة من الرقي والهوية المتجذرة في تاريخ المملكة.
وفي مركب الصناعة التقليدية بفاس، بعيدا عن صخب صناع النحاس ومناديي حي الشرابليين، ي حيين تعاونية تأسست سنة استقلال المغرب. فضاء عريق يمتد لسبعة عقود، لا يزال يمنح الوقت اللازم لإنتاج قطع فريدة، وتلقين أصول الحرفة للمتدربين، الذين يظل عددهم، للأسف، محدودا.
وترى عرفي أم كلثوم أن التطريز الفاسي ليس مجرد مهنة، بل مسار حياة مكرس لنقل المعرفة. وأضافت، في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، “قبل انضمامي للتعاونية، تعلمت الحرفة سنة 1971 لدى الراهبات”، مشيرة إلى أنها واصلت منذ ذلك الحين تكوين متدربات شابات في مراكز التكوين الحرفي.
وتابعت م بتسمة “حتى بعض الفتيان تعلموا أساسيات الحرفة، رغم أنها كانت في الأصل مهنة نسوية”.
غير أن ملاحظتها لا تخلو من قلق، حيث أفادت بأنه “قل اليوم من لديه الشغف الحقيقي لتعلمها. فالبعض يعتبرها صعبة تتطلب جهدا ذهنيا ويدويا كبيرا، وقد تؤثر على البصر”.
وتكمن صعوبة هذا الفن العريق في دقته البالغة؛ ففي التطريز الفاسي يجب إنجاز كل غرزة بإتقان شديد، بحيث يكون وجه القطعة مطابقا لظهرها، وهو إنجاز تقني يميز هذا الفن عن غيره من تقاليد النسيج.
وتتحول الغرزة بين أنامل الحرفيات، بدقتها وانتظامها وقربها من الخط، إلى لغة قائمة بذاتها. وبفضل حس هندسي مرهف وإتقان فريد للتناظر وجمالية دقيقة، تنبض القطع بالحياة تدريجيا. وعلى خلفيات بيضاء أو مائلة للبياض من الكتان أو القطن، تتشكل زخارف محكمة من معينات ونجوم وزهور وخطوط، بألوان رصينة وأنيقة، أبرزها الأسود الداكن، والأزرق الليلي، والأحمر القاني، والأخضر القاتم أو الفاتح.
وتؤكد الحرفية، بفخر، أن “شركات صينية اقترحت علينا آلات لمساعدتنا، لكننا أوضحنا لها أنه مهما بلغت دقتها، فلن تعطي النتيجة نفسها. فلا آلة قادرة على محاكاة هذا العمل”.
ورغم التحديات، لا تزال الطلبيات تتقاطر، مما يتيح لبعض الأسر كسب قوتها من هذا النشاط. وأوضحت عرفي أم كلثوم “رب ينا أبناءنا بفضل هذه الحرفة”، قبل أن تعبر عن هاجسها الأكبر: “خوفنا الوحيد هو أن يندثر هذا الفن يوما ما”.
أما أمينة ميلان، التي تمارس التطريز منذ نصف قرن، فتؤكد أن الشغف لا يزال حاضرا رغم تعب السنين. وتابعت “أزاول هذه الحرفة منذ 50 سنة، واليوم بدأنا نشعر بثقلها؛ العين تتعب والجسد كذلك، لكن الشغف هو ما يدفعنا للاستمرار”.
وأضافت أن التقنيات لم تتغير “فما زلنا نشتغل بنفس الأساليب منذ خمسين عاما”. كما تستحضر بتأثر اسم مليكة التحيفة، إحدى أبرز رموز هذا الفن، مشيدة بدورها في تطويره.
وتجمع سميرة رشيد، أصغر الحرفيات الثلاث، بين التكوين الأكاديمي والتجربة الميدانية، إذ طورت مهاراتها داخل مركز للتكوين قبل التحاقها بالتعاونية. وأوضحت سميرة أن العمل يعتمد على أربعة عناصر أساسية “قماش، وخيط حرير، وم ر يمة (إطار التطريز)، ثم العقل”.
ويعكس زمن الإنجاز حجم هذا العمل الدقيق، فوسادة صغيرة قد تتطلب أربعة أشهر من العمل، بينما يستغرق إنجاز غطاء سرير ما بين 18 و24 شهرا، وقد تمتد بعض القطع المعقدة لسنوات. أما الأسعار، فتبدأ من نحو 20 ألف درهم لمفرش صغير.
ورغم بطء الإنتاج الذي تفرضه دقة الحرفة، تظل الحرفيات متمسكات بالنماذج التقليدية. وأكدت سميرة رشيد “نواصل الاشتغال على الزخارف القديمة”، لكنها تشارك زميلاتها القلق نفسه: “فهناك إشكال في نقل الحرفة، فالأجيال الجديدة لا تتجاوب دائما، رغم أن هذا الفن يسري في دمائنا”.
وبين الصبر والشغف والقلق على المستقبل، ت واصل هؤلاء الحارسات نسج الخيوط كما ي صان نور شعلة. فكل قطعة ي بدعنها هي جزء من تاريخ ي حاك في صمت، وجسر خفي يربط بين الأجيال.