السغروشني: المغرب لا ينافس القوى الكبرى ويراهن على طريق ثالث بالمجال الرقمي

0

أكدت الوزيرة المنتدبة لدى رئيس الحكومة المكلفة بالانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة، أمل الفلاح السغروشني، أن المغرب يعي جيدا أن التنافس التكنولوجي العالمي لم يعد يقتصر على الابتكار فقط، بل يشمل أيضا مجالات الاستثمار والقدرات الصناعية والسيادة العلمية، مبرزة أن طموح المملكة لا يقوم على منافسة القوى الكبرى بأدواتها نفسها، بل على ابتكار نموذج جديد.

وأوضحت المسؤولة الحكومية، في كلمة خلال افتتاح معرض “جيتكس إفريقيا 2026″، أن هذا التوجه يندرج ضمن ما وصفته بـ”الطريق الثالثة”، باعتبارها رهانا تكنولوجيا مغربيا في خدمة المواطن، يقوم على الجمع بين الأصالة والحداثة، ويهدف إلى بناء قوة تكنولوجية لا تقاس بالهيمنة، بل بقدرتها على توحيد الجهود وتوظيف الابتكار لخدمة التنمية والصالح العام.

وأضافت أن هذا الرهان لا يقتصر على مواجهة التحديات الراهنة، بل يمتد إلى الاستعداد للتحولات المستقبلية، مشيرة إلى بروز ثورة تكنولوجية جديدة، من بينها تكنولوجيات الكم، التي من المرتقب أن تحدث تغييرات عميقة في مجالات الحوسبة والتشفير وأمن المعطيات والتوازنات التكنولوجية العالمية.

وفي هذا السياق، أبرزت أن المشهد الدولي يتسم بتعدد النماذج التكنولوجية، بين الليبرالية التكنولوجية التي تقودها المنصات الأمريكية الكبرى، والنموذج الصيني المرتبط بقوة الدولة، إلى جانب النموذج الأوروبي القائم على التنظيم، والذي يواجه أحيانا تحديات على مستوى التنفيذ.

واعتبرت أن المغرب قادر على تجسيد طريق ثالث بين هذه النماذج، يرتكز على أربع دعائم أساسية، تتمثل في سيادة تكنولوجية عملية موجهة للصالح العام، وحداثة أصيلة تراعي الخصوصيات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، إلى جانب قوة تكنولوجية متوازنة تربط بين أوروبا وإفريقيا والفضاء الأطلسي، فضلا عن اعتماد بوصلة استراتيجية للحوار الدولي حول الرقمنة والذكاء الاصطناعي.

وشددت على أن المملكة، بفضل موقعها الجغرافي وتنوع شراكاتها وتقاليدها في الحوار متعدد الأطراف، تتوفر على مؤهلات فريدة تؤهلها لتكون منصة دولية للنقاش حول الذكاء الاصطناعي الأخلاقي، بما يتيح جمع مختلف الفاعلين وتعزيز مقاربة متوازنة تجمع بين الابتكار والسيادة والمسؤولية.

وأكدت أن المغرب، من خلال تموقعه كقوة تكنولوجية متوازنة، لا يسعى فقط إلى لعب دور مركز إقليمي، بل إلى أن يكون حلقة وصل بين مختلف الفضاءات، مشددة على أن المملكة ستواصل مسارها نحو التقدم بفضل الرؤية التي يقودها الملك محمد السادس.

وفي ما يتعلق بمعرض “جيتكس إفريقيا”، أوضحت الوزيرة أن هذه التظاهرة، التي تجمع أكثر من 50 ألف مشارك من مسؤولين عموميين ومبتكرين ومستثمرين ومفكرين من مختلف أنحاء العالم، أصبحت منصة استراتيجية أساسية تتشكل فيها ملامح مستقبل الرقمنة بالقارة الإفريقية، بل وعلى مستوى التوازن التكنولوجي العالمي.

وأكدت أن المغرب يراهن اليوم على خيار تكنولوجي يخدم نموذجا جديدا من السيادة، يقوم على جعل الاستراتيجية في خدمة التنفيذ، مبرزة أن العالم يشهد تحولات عميقة لا تهم فقط الحدود، بل تمتد إلى موازين القوة والنفوذ في مجالات التكنولوجيا والعسكر والعلم والاقتصاد.

كما أشارت إلى أن النظام الدولي يشهد تحولات متسارعة بفعل عاملين رئيسيين، يتمثلان في عودة النزاعات المسلحة عالية الحدة وتسارع وتيرة الذكاء الاصطناعي، مبرزة أن هذا الأخير أصبح يشكل في الآن ذاته رافعة للتنافسية، ورهانا للسيادة، وموضوعا للتقنين، فضلا عن كونه نمطا جديدا للعيش والحكامة.


وأضافت أن المغرب، بحكم موقعه في جنوب البحر الأبيض المتوسط وانفتاحه على القارة الإفريقية وأوروبا، اختار أن يتحلى بالجرأة، مؤكدة أنه لم يكن يوما كيانا معزولا، بل فاعلا يربط بين الشمال والجنوب وبين الشرق والغرب.

وفي هذا الإطار، أوضحت أن وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة تعمل على تشخيص دقيق للواقع وتعبئة مختلف الفاعلين، وطنيا ودوليا، من أجل بلورة مسار مغربي جامع في مجال حكامة رقمية جديدة معززة بالذكاء الاصطناعي.

وكشفت أن هذا التصور الاستراتيجي يقوم على مفارقة مزدوجة، تتمثل في تقييم نقدي للوضع الراهن للنظام التكنولوجي الدولي، مقابل قناعة راسخة بأن التعددية الشاملة تظل الخيار الوحيد القابل للاستمرار.

كما أبرزت أن الذكاء الاصطناعي ساهم في تسريع التحول، ليس فقط على مستوى النموذج الرقمي، بل أيضا على المستوى المجتمعي، محذرة من أنه قد يؤدي كذلك إلى تعميق الانقسامات العالمية ودفع نحو الانغلاق، في ظل تنافس محتدم بين القوى الكبرى للسيطرة على سلاسل القيمة المرتبطة بالمعالجات المتقدمة والحواسيب الفائقة.

ودعت في هذا الصدد إلى التفكير في بناء تحالفات جديدة ومبتكرة لمواجهة التحديات العالمية المرتبطة بالسلم والازدهار والاستقرار، مؤكدة أن هذا الرهان يشكل أيضا معركة استثمارات تتطلب تعبئة شاملة لمختلف الإمكانيات.