الطريق كفضاء للضغط الاجتماعي: السائق المهني بين اقتصاد الهشاشة ومخاطر الانفلات السلوكي

0

د. هشام بوقشوش / باحث في علم الاجتماع

يشكل الحادث الذي عرفته مدينة القنيطرة مدخلا سوسيولوجيا دالا لقراءة وضعية السائق المهني في قطاع نقل المستخدمين بالمغرب، لا باعتباره فاعلا فرديا منحرفا فحسب، بل بوصفه ذاتا مهنية متموضعة داخل بنية اقتصادية وتنظيمية ضاغطة تعيد تشكيل سلوكه اليومي وحدود أفعاله الممكنة. فالفعل العنيف، مهما كان مدانا قانونيا وأخلاقيا، يظل من منظور سوسيولوجي عرضا لبنية أعمق، تتقاطع فيها هشاشة الشغل، وضغط الزمن، وتآكل الاعتراف الاجتماعي، مع هشاشة آليات الوساطة المهنية.
ضغط الزمن وتسريع الإيقاع المهني: من اقتصاد السوق إلى اقتصاد الأعصاب
تشتغل المقاولات الصغرى لنقل المستخدمين داخل منطق تعاقدي صارم تحكمه دقة المواقيت، وغرامات التأخير، وتعدد الرحلات اليومية. هنا يصبح الزمن موردا اقتصاديا ومصدرا للقلق في الآن ذاته. في ضوء تحليلات هارتموت روزا حول “التسارع الاجتماعي”، يمكن فهم كيف يتحول ضغط الجدولة إلى ضغط وجودي: السائق لا يملك فقط قيادة المركبة، بل إدارة زمن الآخرين (العمال، المؤسسة، المقاولة)، ما يجعله في حالة يقظة عصبية مستمرة.
هذا “التسارع القسري” يولد ما يمكن تسميته بـ”اقتصاد الأعصاب”، حيث يصبح الانفعال استجابة محتملة لتراكم الضغوط الدقيقة والمتكررة. الحادث هنا لا يظهر كفعل فجائي، بل كنقطة انفجار في مسار توتري طويل.
الهشاشة البنيوية ومفارقة المسؤولية
من منظور سوسيولوجيا العمل غير المستقر، السائق يوجد في وضعية “استقلال هش”: هو مهني يتحمل مسؤولية قانونية كاملة، لكنه يشتغل ضمن شروط تفاوض ضعيفة، وهو ما يخلق مفارقة بنيوية؛ إذ يحمّل الفرد نتائج اختلالات تنظيمية أوسع.
وفقا لتحليلات بيير بورديو حول العنف الرمزي، يمكن قراءة تحميل السائق وحده مسؤولية الانفلات باعتباره شكلا من أشكال تشخيص الأزمة في الأفراد بدل البنيات. فالعنف الرمزي هنا يتجلى في تطبيع شروط عمل قاسية باعتبارها طبيعية، بينما يجرّم الانفلات بوصفه انحرافا شخصيا معزولا.
الطريق كفضاء صراع: التفاعل الموقفي وإدارة الانطباع
الطريق فضاء تفاعلي عالي الكثافة. وفق المقاربة التفاعلية الرمزية، كل سائق يوجد في مسرح يومي يتطلب إدارة الانطباع وضبط الذات أمام الآخرين. غير أن الطريق ليس مسرحا عاديا؛ إنه فضاء تتقاطع فيه السرعة، المخاطرة، وضيق المجال الفيزيائي، ما يرفع احتمالات سوء الفهم والتصعيد.
في لحظة مشادة، يتحول التفاعل من تفاوض رمزي إلى مواجهة جسدية، خاصة حين يشعر الفاعل بأن مكانته المهنية أو كرامته موضع تهديد. هنا يظهر مفهوم “الدفاع عن الوجه” باعتباره آلية مركزية لفهم الانزياح من خطاب إلى عنف.
الضغوط النفسية وتآكل الاعتراف الاجتماعي
السائق المهني، خصوصا في قطاع نقل المستخدمين، يؤدي وظيفة حيوية في الدورة الاقتصادية، لكنه غالبا لا يحظى باعتراف رمزي مواز لأهمية دوره. في إطار نظرية الاعتراف لأكسيل هونيت يؤدي غياب التقدير الاجتماعي إلى إحساس بالإقصاء الرمزي، قد يترجم في لحظات الاحتقان إلى سلوك دفاعي أو عدواني.
الضغوط اليومية (الازدحام، المخالفات، احتكاك السائقين، الخوف من الحوادث، ضغط الزبون/المقاولة) تتراكم لتؤثر على الصحة النفسية، وعلى الحياة الأسرية. كثير من السائقين ينقلون توتر الطريق إلى البيت: إرهاق، صمت، انفعال سريع، انسحاب من التفاعل الأسري. وهنا تنتقل أزمة الطريق من المجال المهني إلى المجال الخاص.
من مسار العمل إلى مسار العقوبة: حين يتحول الفضاء المهني إلى فضاء سالب للحرية
الانزلاق إلى العنف لا يعني فقط تبعات قانونية آنية، بل قد يحوّل مسار العمل إلى مسار عقابي. السجن أو المتابعة القضائية لا تمثلان فقط عقوبة فردية، بل قطيعة في المسار المهني والأسري: فقدان الدخل، وصم اجتماعي، اضطراب استقرار الأسرة.
من منظور نظرية الوصم، قد يتحول الفاعل من سائق تحت ضغط إلى سائق عنيف في المخيال العام، ما يعيد تشكيل هويته المهنية ويصعّب إعادة إدماجه. بذلك يصبح الانفلات اللحظي نقطة تحوّل بنيوية في المسار الحياتي.
تدبير أزمات الطريق: بين التكوين والانضباط الذاتي
الإشارة إلى ضعف التكوين المستمر تفتح سؤال الكفايات الانفعالية. فالمهنة لا تتطلب فقط مهارات تقنية، بل قدرات على إدارة الغضب، التواصل في حالات النزاع، والتعامل مع الاستفزاز. سوسيولوجيا المخاطر لأولتريش بيك تبرز أن المجتمعات الحديثة تنتج مخاطرها الخاصة؛ والقيادة المهنية في بيئة حضرية مزدحمة إحدى تجليات ذلك. من ثمّ، لا يكفي الردع القانوني، بل يلزم بناء منظومة مواكبة نفسية ومهنية، وتثمين التكوين في الذكاء العاطفي والتواصل النزاعي، إلى جانب إصلاح شروط التعاقد والجدولة.
الحادث لا يختزل في فرد، ولا يبرر بالبنية؛ بل يستدعي مقاربة متعددة المستويات:
 مستوى بنيوي: مراجعة شروط التعاقد وهامش الربح والجدولة الزمنية.
 مستوى تنظيمي: إرساء قنوات وساطة مهنية وحوار مؤسسي دائم.
 مستوى تكويني: إدماج برامج إلزامية لإدارة الضغط والنزاع.
 مستوى ثقافي: إعادة الاعتبار الرمزي للسائق المهني كفاعل أساسي في الاقتصاد الحضري.
الطريق ليست مجرد فضاء عبور، بل مختبر مكثف للتوترات الاجتماعية: هشاشة، تسارع، صراع اعتراف، ومخاطر يومية. والسائق المهني يوجد في قلب هذه الدينامية، موزعا بين واجب الانضباط القانوني، وضغط السوق، وحاجته للاعتراف والكرامة.
إن القراءة السوسيولوجية النقدية للحادث تدفع إلى تجاوز ثنائية الخطأ الفردي والظرف الاستثنائي، نحو فهم أعمق لتحولات العمل في سياق رأسمالية متسارعة، حيث يمكن لمسارات الشغل، تحت وطأة التوترات غير المضبوطة، أن تنزلق من فضاءات الإنتاج إلى فضاءات العقوبة. بهذا المعنى، يصبح إصلاح شروط العمل وتثمين السائق المهني ليس فقط إجراء اقتصاديا، بل استثمارا في السلم الاجتماعي وسلامة الفضاء العمومي.