المحروقات.. هل رجّحت الحكومة “التوازنات الاقتصادية” على القدرة الشرائية للمغاربة؟

0

بعد الزيادات التي عرفتها أسعار النفط الدولية، وانعكاسها على الأسعار بمحطات التزود، ومن ثمة النقل وسائر المواد الاستهلاكية المرتهنة به، اتخذت بلدان العالم تدابير متنوعة لحفظ القدرة الشرائية لمواطنيها، على مستوى الضرائب والمقاصة وتقديم مساعدات مباشرة، بينما يكاد المستهلكون المغاربة يواجهون عربدة الأسعار الدولية بصدور عارية.

في مواجهة ذلك الارتفاع الحاد، اتخذت عدة دول قرارات وازنة ومؤثرة في ميزان الأسعار، إذ عمدت الجارة الشمالية إسبانيا لخفض الضريبة على القيمة المضافة مع تقديم دعم مباشر، بينما أقرت إيطاليا تخفيضاً فوريا للضرائب، أما فرنسا فقدمت مساعدات مباشرة للأسر والمهنيين.

وفي سياق قريب من المغرب، قررت كل من تونس ومصر الإبقاء على نظام الدعم الجاري به العمل في البلدين، وهي تدابير، وعلى اختلافها، تروم هدفاً مُشتركاً هو حماية القدرة الشرائية للمستهلكين بشكل مباشر عبر التدخل في بنية الأسعار.

في هذا الصدد اعتبر الخبير الاقتصادي، محمد جدري، أن المغرب من جانبه قرر عدم دعم أسعار المحروقات، وعدم تحديد سقف للأسعار، وعدم إجراء تخفيض في الضرائب، والنتيجة هي أنه يتم تمرير الأسعار الدولية تقريبًا بشكل كامل إلى المستهلك عند محطات الوقود.


يطرح هذا المعطى سؤالا حول أسباب عدم اتخاذ الحكومة المغربية قرارات مشابهة للبلدان سالفة الذكر، ولعل الجواب يكمن في ثنايا ما أورده الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، فوزي لقجع، حول “انعدام أي تأثير للحرب الدائرة بالشرق الأوسط على أداء الميزانية والمالية بالمغرب، وأن تدبير مالية 2026 في مختلف التجليات يظهر أن الأمور تسير في اتجاه طبيعي”.

حديث لقجع، خلال الندوة الصحفية التي أعقبت انعقاد المجلس الحكومي الأخير، الخميس الماضي، يظهر أن الاختيار المغربي كان مختلفًا، واضحًا، ومقصودًا، ويعبر عن نموذج واختيار اقتصادي يروم بالأساس الحفاظ على توازن المالية العمومية، وهو قرار يرى جدري أنه “مستدام ماليًا لكنه حساس اجتماعيًا”.

“بدلًا من ذلك، اختار المغرب منطقًا مختلفًا، عبر دعم مهنيي النقل وتقديم مساعدات قطاعية والإبقاء على دعم غاز البوتان، في استراتيجية غير مباشرة تهدف إلى التخفيف من حدة التأثير دون التدخل المباشر في الأسعار” يقول الخبير.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه، بحسب المتحدث ذاته، “ليس السعر بحد ذاته، بل النموذج المعتمد؛ إلى أي حد يجب ترك السوق يعمل بحرية؟ وكيف يمكن حماية المواطن دون الإخلال بتوازن الميزانية؟ وهل يمكن الحديث عن سوق تنافسية حقيقية عندما تتحرك الأسعار بشكل شبه متزامن؟”.

وخلص جدري إلى أن المغرب اختار اعتماد مبدأ واقعية الأسعار، لكن هذه الواقعية يجب أن يرافقها مزيد من الشفافية، ومزيد من المنافسة الحقيقية، ومن آليات الحماية موجهة للفئات الأكثر هشاشة.