انخفاض النفط في السوق الدولي.. أين تراجع الأسعار محليا؟

0

لم تمر ساعات قليلة على إعلان الهدنة في الشرق الأوسط، حتى ارتطمت أسعار النفط العالمية بسقف الـ100 دولار نزولاً، في تحول دراماتيكي يعيد إلى الأذهان سؤالاً شائكاً ظلّ بلا إجابة في المغرب: لماذا تتفاعل شركات المحروقات بسرعة البرق مع الارتفاعات الدولية، بينما تصاب بالصمم والبُطء حين تنعكس المؤشرات نحو الانخفاض؟

فقد تراجع خام “برنت”، صباح الأربعاء، بنسبة 13.6 في المائة، أي ما يعادل 14.84 دولاراً للبرميل، ليستقر عند 94.43 دولاراً، في حين هبط خام “غرب تكساس” الوسيط الأمريكي بـ16.13 دولاراً، بنسبة 14.3 في المائة، مسجلاً 96.82 دولاراً للبرميل. هذا الهبوط جاء بعد سلسلة ارتفاعات متتالية بلغت ذروتها بنحو 70 في المائة منذ أواخر فبراير الماضي، على وقع التوترات الجيوسياسية وتهديدات إغلاق مضيق هرمز.

ومن الناحية النظرية، فإن هذا التراجع يفتح الباب واسعاً أمام توقعات بانخفاض أسعار الغازوال والبنزين في المغرب، خصوصاً أن أسعار التوزيع المحلية كانت قد قفزت قفزتين متتاليتين خلال فترة التصعيد: الأولى في منتصف مارس بقيمة درهمين للغازوال و1.44 درهم للبنزين، والثانية مطلع أبريل بـ1.70 درهم للغازوال و1.57 درهم للبنزين. زيادات أثقلت كاهل القدرة الشرائية للمواطنين ورفعت تكاليف النقل والخدمات.

لكن الواقع الميداني والتجارب السابقة ترسم صورة مغايرة. فشركات المحروقات في المغرب، التي تتحكم في التوزيع والتسويق، تتعامل مع الأسواق الدولية وفق قاعدة “المصعد الكهربائي في الصعود، والسلم المتحرك في النزول”. فعندما ترتفع الأسعار عالمياً، تجد هذه الشركات نفسها مضطرة – كما تدّعي – إلى تعديل أثمان المضخات فوراً حماية لهامش أرباحها وضماناً للإمدادات. لكن حين تنخفض الأسعار، تبرز حجج أخرى: استنزاف المخزون القديم المشترى بسعر مرتفع، وتقلبات صرف الدرهم، وتكاليف التخزين والنقل، وهو ما يؤدي غالباً إلى تأخر التخفيضات أو اقتصارها على زيادات رمزية لا تعكس حجم التراجع الدولي.

هذا السلوك وضع المؤسسات الرقابية في مأزق حقيقي. فمجلس المنافسة، الذي سبق أن أنجز تقارير حول انعدام الشفافية في تحديد هوامش الربح، يجد نفسه عاجزاً عن فرض آليات واضحة للمحاسبة طالما أن الشركات تحتج بسرية المعطيات التجارية و”حرية التسعير” النسبية في سوق يُوصف غالباً بأنه شبه احتكاري. والحكومة بدورها تفضل الاحتماء بمنطق السوق، مكتفية بمراقبة “الهامش النظري” دون قدرة فعلية على إجبار المستوردين والموزعين على تمرير الانخفاضات الدولية بشكل فوري وعادل.

اللافت أن شركات التوزير كانت قد برّرت زيادات مارس وأبريل بـ”اضطرابات الإمدادات” و”تهديدات مضيق هرمز”، وهي نفس المبررات التي كان يُفترض أن تتبخر مع الهدنة وعودة الاستقرار النسبي. فهل سنشهد تخفيضاً مماثلاً في المضخات؟ أم أن الربحية ستبقى فوق اعتبارات المنافسة والشفافية؟

المغاربة الذين يملؤون خزانات سياراتهم أو يركبون حافلات النقل العمومي، ينتظرون إجابة عملية، وليس وعوداً. فالانخفاض الدولي اليوم ليس مجرد رقم بورصة، بل اختبار حقيقي لنزاهة السوق المحلية، ولمدى قدرة الدولة على حماية المواطن من ممارسات تزيد من وطأة الغلاء وتُعمق أزمة الثقة في العدالة المجالية والاجتماعية.