بن معنان : لا تأسف على الرحيل!
بقلم : سعيد بن معنان
نم قرير العين ولا تأسف على الرحيل، فلم يكن مع سكان الأرض شيئا فوق ما فعلوا من أجل إنقاذك، تحركت الجبال وتوقف الزمن، بلغت القلوب مجرى الحناجر وأصبحت لحظات الإنتظار جلسات جماعية للتعذيب، صرخ الأطفال،ولولت النساء وبكى الرجال، دعا من أجلك الصالحون والطالحون في كل أنحاء المعمور، انتقمت آلات الحفر بقساوة من الجبل الذي ابتلع جسدك الصغير لعله يلفظك حيا تحت الإكراه، استنفذنا كل أسباب الأرض وانتظرنا أسباب السماء…
طيلة خمس أيام ونحن داخل تلك البئر العميقة نتحسس أنفاسنا لحظة بلحظة، وأربع ليال رأينا فيها بعيون مفتوحة كل أنواع الحُفر واشكال السقوط فيها بأعماق مختلفة وعشنا كل الكوابيس، ضممنا أطفالنا بقوة فلم نتمالك الدمع ثم هرولنا إلى خارج بيوتنا لنبكي هروبا من حرج أسئلتهم..
نم قرير العين ولا تأسف على الرحيل، فقد كنا ننتظرك في اللحظات الاخيرة بفارغ الصبر قرب النفق المظلم، كان الجميع يتقصى حقيقة الوصول إليك من عيون وابتسامة العم علي الصحراوي عند كل خروج له من النفق،ومن قسمات وجوه كل رجال الإنقاذ ، ولن يخطر على بالك يا ولدي وصف مشاعرنا عندما تحركت سيارة الإسعاف في اتجاهك،نحن أيضا لن نقوى على وصف تلك اللحظة مهما حاولنا ،شيء غريب تملك البشرية، صعدت احاسيسنا إلى إلى منتهى الصفاء ولم يعد يربطنا بسطح مشاغل الحياة شيء، وكنت بحق القطر الذي تدور حوله الكرة الأرضية…أضواء المروحية ظلت تلوح في سماء قريتك الصغيرة،نعم كانت هناك مروحية بالقرب من منزلك تنتظر خروجك، وكنت ستستقلها لأول مرة في حياتك غير أن روحك صعدت إلى السماء قبل إقلاع الطائرة …
نم قرير العين ولا تأسف على الرحيل، فقد جئت إلى الوجود تحمل رسالة خاصة، وكان سقوطك في البئر منبرا لتبليغ الرسالة ووسيلة مسخرة لتنفيذ مضامينها إلى قلوب الحجر والشجر قبل البشر، وقد كنت وفيا وبارعا في إتمام المهمة التي أتيت من اجلها قبل المغادرة، كنت حريصا على أن تفسر لنا أن الإنسان أحقر من جناح ذبابة ويمشي فوق الأرض مرحا، ذكرتنا أن الأعمار بيد الله ولو اجتمع الإنس والجن على أن يضروك بشيء أو ينفعوك به فلن يفعلوا إلا بما كتب الله لك والتفاصيل الصغيرة لهذا الكون في علم الله يفعل ما يريد ومتى وأين يريد،اخبرتنا أن الإنسان لا يموت متى تلفظ أنفاسه وإنما يموت متى فقد آدميته وضميره،ايقظت كل شيء جميل فينا، ألنت القلوب المتحجرة،والمقل الجافة وأنقدت قيم الإنسانية من الزوال،فعلت كل شيء فنم قرير العين أيها الصبي!!
لست الأفضل ولن تكون فقد سبقوك إخوتك إلى الموت وسيلحقون بك ما دامت أسباب الموت متوفرة، لكن حتما أنت الأجمل والرائع في تبليغ الرسالة، وكنت ستكون الأروع لو منحك الله حفنة من أيام أخر لتحكي لنا عن باطن الأرض قبل أن ندخله، فلك أقول وداعا دائما وسفرا هانئا ولا تنسى أن تخبر الله بكل شيء.