بين 338 ألفا و740 ألف حالة.. أرقام غير رسمية مقلقة للتوحد بالمغرب
يحتفي المجتمع الدولي في الثاني من أبريل من كل سنة، باليوم العالمي للتوعية بمرض التوحد، وذلك بهدف تسليط الضوء على اضطرابات طيف التوحد وتعزيز إدماج أفضل للأشخاص المعنيين.
ولئن كان الاهتمام ينصب في معظم الأحيان على الأطفال، فإن واقعا آخر يظل خفيا ولا يحظى بالاهتمام اللازم، ويتعلق الأمر بالتوحد لدى البالغين الذين يمضون جزءا كبيرا من حياتهم دون تشخيص الرابط بين صعوباتهم اليومية واضطراب التوحد.
ولفهم مدى هذه الاضطرابات، تشير التقديرات إلى أن ما بين 338 ألفا و740 ألف شخص، قد يكونوا مصابين بالتوحد في المغرب، في ظل غياب دراسات وبائية وطنية رسمية.
وتذهب تقديرات جمعية “اتحاد للديسليكسيا” إلى أن 740 ألف شخص قد يكونوا مصابين بهذا المرض، وهو رقم يعتمد على معدل انتشار يتراوح بين 1 و 2 في المائة من السكان، مما يكشف عن ارتفاع متواصل في عدد الحالات، مع تقديرات تصل إلى 14 ألف ولادة جديدة سنويا.
وعلى الصعيد العالمي، يعاني نحو 62 مليون شخص (واحد من أصل كل 127 شخصا) من اضطرابات طيف التوحد، التي تشمل حالات متنوعة مرتبطة بنمو الدماغ، وفقا لمنظمة الصحة العالمية.
وأوضح أعضاء في “جمعية اتحاد للديسليكسيا”، يتولون تتبع حالات التوحد في المغرب، في تصريحات لوكالة المغرب العربي للأنباء، أن اضطراب طيف التوحد يظهر غالبا من خلال أعراض واضحة منذ الطفولة، غير أنها قد تظل صعبة التشخيص لدى فئة كبيرة من البالغين بل وحتى غير ملحوظة.
ويعزو فريق الجمعية هذا الأمر، إلى حد كبير، ببلورة استراتيجيات متطورة للتكيف، لاسيما ما يعرف بـ “التمويه الاجتماعي”، حيث يعمد الفرد إلى الملاحظة وتقليد السلوكيات المتوقعة منه، واستيعاب الرموز الاجتماعية، و ينجح في إعطاء الانطباع باندماج سلس.
وفي بوح للوكالة، تقول هبة، وهي مريضة تم تشخيصها بشكل متأخرة: “واجهت صعوبات في التفاعلات الاجتماعية، وكنت أشعر دوما بأنني مختلفة عن الآخرين، دون أن أتصور للحظة أن الأمر قد يكون مرتبطا بالتوحد”.
غير أن هذه الآلية لها كلفة، فمن الناحية النفسية، فإن اضطرابات طيف التوحد غير المشخصة، تظهر من بين أمور أخرى، في ارتباك عاطفي معقد يصعب فكه، وإرهاق مزمن، ونوبات اكتئاب. ويكبر الكثير من هؤلاء الأشخاص وهم مقتنعون بأن تحدياتهم مصدرها شخصيتهم فقط، أو نقص في الثقة بالنفس، أو مجرد خجل.
وأمام جملة من العقبات، غالبا ما يكبر هؤلاء الأشخاص في عزلة وعدم فهم، خاصة وأنهم يجدون صعوبة في التعبير عما يعيشونه في مواجهة أحكام الآخرين.
وتنطبق هذه الحالة على يوسف، محاسب يبلغ من العمر 43 عاما، والذي يحكي أنه ظل لفترة طويلة يشعر وكأنه يعيش بمعزل عن الآخرين، ويضيف: “كان بإمكاني التركيز لساعات طويلة على موضوع يستهويني، لكنني كنت أجد صعوبة في فهم بعض القواعد الاجتماعية الضمنية”.
وعلى الصعيد المهني، تكون التبعات واضحة تماما، حيث تكون البيئات الصاخبة و غير المتوقعة أو ذات الطابع الاجتماعي المكثف مرهقة على نحو خاص. ويشير المختصون في الجمعية إلى أنه “تتم ملاحظة صعوبات على مستوى العلاقات في العمل، ودورات من التكيف المفرط تعقبها فترات من الانهيار، مما يؤدي إلى مسارات مهنية مشوشة وغير مستقرة”. ويؤكدون أن هذه الصعوبات غالبا ما تفهم بشكل ملتبس من قبل المحيط المهني الذي يعزوها، خطأ، إلى نقص في التحفيز أو الانخراط.
ورغم محاولات التمويه، تظل بعض العلامات قائمة، مثل التعب بعد التفاعلات الاجتماعية ذات الحساسية المفرطة. ووفقا للفريق الطبي، فإن هذه التجليات مازالت تفسر بشكل خاطئ في غالب الأحيان أو يتم الخلط بينها وبين القلق الاجتماعي أو الاكتئاب، مما يحجب الأداء العصبي الحقيقي للشخص.
ولم يتم تشخيص حالة يوسف بمعاناته من اضطرابات طيف التوحد إلا بعد مرور الكثير من الوقت بعد استشارة مختص، الأمر الذي مكنه من فهم مساره ووصف ما لم يكن قابلا للتوصيف، بل ومنحه أيضا الفرصة للشعور بنوع من الطمأنينة.
وبحسب الفريق متعدد التخصصات، فإن تشخيص اضطرابات طيف التوحد في سن الرشد غالبا ما يعتبر لحظة فارقة، ذلك أن هذا التشخيص لا يغير المعني بالأمر، وإنما ي غير نظرته لنفسه.

وأمام هذه الحقائق، تبرز مسألة التكفل بهذا المرض بشكل محوري. فعلى المستوى العلاجي والطبي، يؤكد المختصون ضمن الفريق أنه لا يوجد علاج لاضطرابات طيف التوحد، وبالتالي فإن التكفل يرتكز بالأحرى على تحسين جودة الحياة وتدبير الصعوبات المرتبطة بها.
وفي هذا الصدد، يمكن اقتراح بعض العلاجات ضد القلق أو الاكتئاب أو اضطرابات النوم، مما يقلل من المعاناة المرتبطة بها دون تغيير الطبيعة الوظيفية للتوحد في حد ذاتها.
وعلاوة على ذلك، تعتمد المواكبة أساسا على مقاربات غير دوائية، تشمل على الخصوص العلاجات المعرفية السلوكية النوعية، والتربية النفسية، وتعلم استراتيجيات التنظيم وتدبير الطاقة، والدعم النفسي. كما تبرز أهمية العلاجات المتخصصة، ويتعلق الأمر تحديدا بتقويم النطق (التواصل، اللغة، والفهم الضمني) والترويض النفسي الحركي (التنظيم الجسدي، التدبير الحسي، والتنسيق).
ويلاحظ أنه رغم جهود التوعية، يظل التوحد اضطرابا حاضرا بقوة لكنه غالبا ما يفهم بشكل خاطئ ويحاط بالأحكام مسبقة، مما يعيق الاندماج ويخلف انعكاسات على التشخيص والتكفل.