ترشيح الشباب بين الحلم الديمقراطي والانتحار السياسي
بقلم عبد الكريم ناصري
طالب باحث في العلوم السياسية والدبلوماسية
يشكل ترشيح الشباب في الاستحقاقات التشريعية رهانا ديمقراطيا مهما، غير أن هذا الرهان يتحول في كثير من الأحيان إلى ما يشبه “الانتحار السياسي” في ظل غياب الشروط الموضوعية التي تضمن تكافؤ الفرص وتؤسس لممارسة سياسية نزيهة وشفافة. فالدفع بالشباب إلى واجهة المنافسة الانتخابية دون توفير أرضية سليمة، خالية من تأثير المال الانتخابي ومن هيمنة سماسرة وتجار الانتخابات، لا يعدو أن يكون مجرد إجراء شكلي يفتقر إلى الفعالية الحقيقية.
إن الإشكال لا يكمن في غياب كفاءات شابة قادرة على تحمل المسؤولية، بل في البيئة السياسية التي تعيق بروز هذه الطاقات. فاستعمال المال لاستمالة الناخبين يضرب في العمق مبدأ الاختيار الحر، ويجعل المنافسة غير متكافئة، حيث يجد الشاب نفسه أمام منظومة مغلقة تتحكم فيها المصالح والنفوذ بدل البرامج والأفكار.
كما أن ضعف ثقة الشباب في العملية السياسية ينعكس بشكل مباشر على نسب تسجيلهم في اللوائح الانتخابية، وهو ما يستدعي إطلاق مبادرات جادة لإعادة بناء هذه الثقة، عبر تخليق الحياة العامة وربط المسؤولية بالمحاسبة، وإعطاء إشارات قوية على أن المشاركة السياسية يمكن أن تكون ذات أثر حقيقي.
وإذا كنا بالفعل نرغب في تمكين الشباب من ولوج المؤسسات التشريعية، فإن ذلك يمر حتمًا عبر مسار تدرجي يبدأ من داخل الأحزاب السياسية. ففتح باب الانخراط أمام الشباب، وتمكينهم من تحمل المسؤوليات داخل الهياكل الحزبية، ثم الدفع بهم لخوض التجارب الانتخابية المحلية داخل الجماعات الترابية، يشكل مدرسة حقيقية لإعداد نخب سياسية قادرة على تدبير الشأن العام بكفاءة.
إن التجربة الميدانية على المستوى المحلي تمنح الشباب الخبرة والاحتكاك المباشر بقضايا المواطنين، وتؤهلهم تدريجيًا لتحمل المسؤولية التشريعية بروح جديدة ونَفَس إصلاحي، بعيدا عن الانسياق وراء ممارسات تقليدية كرستها عقليات تجار الانتخابات.
وفي هذا السياق، يظل التساؤل مطروحا بإلحاح: كم من شاب استفاد من تجربة اللائحة الوطنية كآلية للتمييز الإيجابي، وتمكن بعد ذلك من العودة إلى البرلمان عبر الانتخاب المباشر؟ إن الإجابة عن هذا السؤال كفيلة بتقييم مدى نجاعة هذه الآلية، وقياس قدرتها على إنتاج نخب سياسية شابة مستقلة وقادرة على الاستمرار.
ختاما، إن تمكين الشباب سياسيا لا ينبغي أن يظل شعارا، بل يجب أن يتحول إلى مشروع إصلاحي متكامل، يقوم على النزاهة، وتكافؤ الفرص، والتأهيل الحقيقي، حتى يصبح حضور الشباب في المؤسسات المنتخبة تعبيرا صادقا عن إرادة شعبية، لا نتيجة لاختلالات بنيوية تعيد إنتاج نفس النخب بنفس الأدوات.