نزيف الميزانيات.. أحكام “الاعتداء المادي” تضع جماعات الدار البيضاء على حافة الإفلاس
كشفت مصادر عليمة أن عدداً من الجماعات الترابية بضواحي الدار البيضاء باتت تواجه أزمة مالية خانقة، نتيجة توالي الأحكام القضائية الصادرة عن القضاء الإداري لفائدة متضررين من عمليات نزع الملكية لأجل المنفعة العامة.
وأوضحت المصادر ذاتها أن هذه الأزمة لم تعد ظرفية، بل تحولت إلى معضلة هيكلية تثقل كاهل الميزانيات المحلية، في ظل غياب رؤية استباقية لدى عدد من المسؤولين الترابيين لتدبير هذا الملف الحساس وفق المساطر القانونية المعمول بها.
وأضافت المصادر أن ارتفاع عدد الدعاوى القضائية يعكس حجم الاختلالات التي شابت عمليات نزع الملكية، خاصة في ما يتعلق بعدم احترام الإجراءات القانونية والإدارية، وهو ما فتح الباب أمام المتضررين للجوء إلى القضاء الإداري للمطالبة بحقوقهم.
وفي السياق ذاته، سجلت تقارير ميدانية توصلت بها السلطات الإقليمية أن عددا من رؤساء الجماعات الترابية لم يبادروا إلى استكمال المساطر القانونية لنزع الملكية، مكتفين بإجراءات أولية غير كافية، الأمر الذي تسبب في تعقيد الوضع القانوني للعقارات المعنية.
وأبرزت المصادر أن هذا التقاعس ساهم بشكل مباشر في تضخم التعويضات المحكوم بها قضائيا، حيث إن دعاوى “الاعتداء المادي” التي يرفعها المتضررون تكون غالباً أكثر كلفة من دعاوى نزع الملكية العادية، ما يضاعف من الأعباء المالية على الجماعات.
وأشارت المصادر إلى أن جماعات تصنف ضمن الفئات الميسورة ماليا أصبحت بدورها تعاني من ضغط غير مسبوق، بسبب تراكم الأحكام القضائية التي تلزمها بأداء تعويضات كبيرة، ما يهدد توازنها المالي وقدرتها على تمويل مشاريع تنموية أخرى.
وفي هذا الإطار، دخلت السلطات الإقليمية على خط هذه الأزمة، حيث باشرت سلسلة من الاجتماعات مع رؤساء الجماعات المعنية، من أجل الوقوف على أسباب هذا التعثر في تدبير ملفات نزع الملكية، ومحاولة تفادي تفاقم الوضع.
وخلال هذه الاجتماعات، وجه عمال العمالات والأقاليم استفسارات مباشرة للمسؤولين المحليين، حول أسباب عدم استكمال المساطر القانونية، خصوصاً في المشاريع التي شملت هدم منازل ومحلات تجارية في إطار توسيع الطرق أو إنجاز مشاريع ذات منفعة عامة.
وأكدت المصادر أن بعض الآمرين بالصرف اكتفوا فقط بإجراء التقييد الاحتياطي لدى المحافظات العقارية، دون استكمال باقي الإجراءات القانونية الضرورية، وهو ما يعد خللا جوهريا في تدبير هذا النوع من الملفات.
وتبين، وفق المعطيات المتوفرة، أن عددا من الجماعات لم تلجأ إلى رفع دعاوى الحيازة، التي تعد خطوة أساسية في مسطرة نزع الملكية، وهو ما يفتح المجال أمام المتضررين لرفع دعاوى الاعتداء المادي، ذات الكلفة المالية المرتفعة.
وفي ظل هذه التطورات، شددت السلطات الإقليمية على ضرورة التقيد الصارم بالمقتضيات القانونية المؤطرة لنزع الملكية، داعية إلى التسريع بإحالة الملفات على القضاء الإداري وتتبعها إلى حين استكمال جميع مراحل التقاضي.
ودعت الجهات ذاتها إلى تعزيز القدرات القانونية والتقنية داخل الجماعات الترابية، عبر تأطير الموارد البشرية المكلفة بهذه الملفات، لتفادي الوقوع في أخطاء إجرائية مكلفة.
وختمت المصادر بالتأكيد على أن استمرار الوضع الحالي قد يؤدي إلى تداعيات مالية خطيرة، قد تصل في بعض الحالات إلى حد تهديد استقرار الميزانيات المحلية، ما يستدعي تدخلاً عاجلاً لإعادة ضبط هذا الملف وفق مقاربة قانونية ومالية محكمة.