150 ألف مقاولة اختفت في أربع سنوات… و70% لا تصمد أكثر من خمس سنوات

0

تشير معطيات تقرير حديث صادر عن الكونفدرالية المغربية للمقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة (مارس 2026) إلى ملامح أزمة بنيوية عميقة تضرب قلب النسيج الاقتصادي الوطني، حيث لم تعد الإشكالية مرتبطة بخلق المقاولات، بقدر ما أصبحت تتعلق بقدرتها على الاستمرار في بيئة توصف بغير الملائمة، في ظل اختلالات متراكمة تشمل التمويل، والرقمنة، والولوج إلى الأسواق، والإطار المؤسساتي.

ويكشف التقرير أن ما يقارب 150 ألف مقاولة اختفت خلال الفترة الممتدة بين 2022 و2025، بنسبة 99% منها مقاولات صغيرة جدا، في منحى تصاعدي مقلق يعكس تسارعاً واضحاً في وتيرة الإفلاسات، حيث انتقل عددها من 25 ألف حالة سنة 2022 إلى 52 ألفاً سنة 2025، ما يعني عمليا إفلاس مقاولة كل عشر دقائق تقريبا.

وفي السياق ذاته، تؤكد المعطيات أن 70% من المقاولات الصغيرة جدا لا تصمد أكثر من ثلاث إلى خمس سنوات، وهو ما يعزز فرضية أن المغرب لا يعاني من أزمة إنشاء مقاولات، بل من أزمة بقاء حقيقية تضرب استدامة نسيجه الإنتاجي.


ورغم أن هذه الفئة تمثل 97% من مجموع المقاولات بالمغرب، فإنها، بحسب التقرير، تعيش وضعا وصف بـ”الإقصاء البنيوي”، حيث لا تستفيد سوى أقل من 5% منها من التمويل البنكي، في حين تظل الغالبية خارج منظومة المواكبة المؤسساتية والآليات الكلاسيكية للدعم، وهو ما يطرح، وفق المصدر ذاته، تساؤلات جوهرية حول مدى ملاءمة السياسات العمومية لطبيعة النسيج المقاولاتي الوطني.

ولا يقف هذا الاختلال عند حدود التمويل، إذ يرصد التقرير مفارقة رقمية لافتة، تتمثل في كون 97% من المقاولات الصغيرة جدا متصلة بالإنترنت، مقابل 80% منها بدون حضور رقمي فعلي، ما يعكس ضعفا في تحويل الإمكانات التكنولوجية إلى أدوات إنتاجية وتجارية، ويكرس فجوة بين الولوج الرقمي والاستعمال الاقتصادي.

ويبرز المصدر ذاته أن هذه المقاولات تواجه أيضا صعوبات كبيرة في الاندماج داخل الأسواق، حيث لا تتجاوز نسبة تلك التي تتعامل مع مقاولات كبرى 15%، في وقت تعاني فيه أكثر من نصفها من تأخيرات في الأداء تتجاوز 90 يوما، وهو ما يؤدي إلى اختلالات حادة في السيولة، ويشكل أحد الأسباب المباشرة لفشلها.

أما على مستوى الطلب العمومي، فيكشف التقرير عن فجوة واضحة بين ما هو نظري وما هو مطبق، إذ يفترض أن تستفيد المقاولات الصغيرة جدا من 20% من الصفقات العمومية، غير أن حصتها الفعلية لا تتجاوز 10%، ما يمثل خسارة سنوية تناهز 30 مليار درهم، نتيجة شروط إدارية ومالية توصف بغير المتكيفة مع قدراتها.

وفي قراءة أخرى، يربط التقرير بين هذه الاختلالات ضمن ما يسميه بـ”الحلقة المفرغة للفشل”، حيث يؤدي الإقصاء البنكي إلى الدفع نحو القطاع غير الرسمي، الذي يشمل بدوره حوالي 41% من هذه المقاولات، قبل أن يفضي ذلك إلى تأخر رقمي يعمق عزلتها عن الأسواق، لتنتهي هذه السلسلة في الغالب بالإفلاس.

وتنعكس هذه الدينامية على المؤشرات الماكرو-اقتصادية، إذ يتقاطع ارتفاع وتيرة الإفلاسات مع توسع القطاع غير الرسمي الذي يستوعب 77.3% من السكان النشيطين، إلى جانب تسجيل معدل بطالة يفوق 13%، في مستويات توصف بغير المسبوقة، خاصة في صفوف الشباب، ما يعكس، بحسب التقرير، تداعيات اجتماعية مباشرة للأزمة المقاولاتية.

وفي مقابل هذا التشخيص، يقترح التقرير مجموعة من التدابير التي تهدف إلى إعادة هيكلة منظومة دعم المقاولات الصغيرة جداً، من بينها إحداث وكيل رقمي للمواكبة، وتطوير صيغ تنظيمية جماعية لتسهيل الولوج إلى التمويل والأسواق، إلى جانب تعزيز تمثيليتها داخل مؤسسات القرار الاقتصادي، بما يسمح بإدماجها الفعلي في السياسات العمومية.

ويخلص المصدر إلى أن استمرار إقصاء هذه الفئة، التي تشكل العمود الفقري للاقتصاد الوطني، من آليات التنمية، يطرح تحدياً حقيقياً أمام تحقيق نمو شامل ومستدام، مؤكدا أن إصلاح بيئتها لم يعد خيارا، بل ضرورة اقتصادية واجتماعية ملحة.