30 مليار درهم ضائعة سنويا: حين تتحول سياسات دعم المقاولات إلى آلية لإقصائها
بقلم الطالب الباحث في العلوم السياسية والدبلوماسية
عبد الكريم ناصري
في المغرب، لا تحتاج إلى كثير من الجهد لتكتشف أن الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع الاقتصادي لم تعد مجرد صدع عابر، بل تحولت إلى هوة عميقة تبتلع معها فرص النمو والعدالة معا. أحدث الأرقام حول وضعية المقاولات الصغرى والمتوسطة ليست فقط مقلقة، بل فاضحة؛ إذ تكشف عن نظام اقتصادي يفترض أنه يدعم هذه الفئة، بينما هو في الحقيقة يعيد إنتاج تهميشها بشكل ممنهج.
كيف يمكن تفسير أن 350 مليار درهم تضخ سنويا في الطلب العمومي، في حين لا تستفيد المقاولات الصغيرة إلا من فتات لا يتجاوز 10%؟ أين اختفت الـ20% التي يضمنها القانون؟ وأي منطق هذا الذي يسمح باستمرار نزيف سنوي يقدر بـ30 مليار درهم دون مساءلة أو محاسبة؟ الصمت هنا ليس حيادا، بل تواطؤ صريح مع واقع غير عادل.
المثير للسخرية أن الدولة تتحدث عن “تشجيع الاستثمار” و”دعم روح المبادرة”، بينما تضع أمام المقاولات الصغيرة حواجز أشبه بجدران إسمنتية: شروط إدارية متضخمة، ضمانات مالية لا يمكن توفيرها، ومساطر معقدة تحتاج في حد ذاتها إلى خبرة خاصة لفهمها. النتيجة واضحة: إقصاء صامت، لكنه فعال، لفئة تمثل عصب الاقتصاد الحقيقي.
لكن الإشكال أعمق من مجرد ولوج الصفقات. نحن أمام منظومة كاملة تفتقر إلى الحد الأدنى من العدالة والنجاعة. أكثر من 60% من هذه المقاولات محرومة من عقار مناسب، وكأن الاستثمار في هذا البلد امتياز جغرافي قبل أن يكون مشروعا اقتصاديا. أما التكوين، فالقصة أكثر عبثية: 70% من المسيرين يفتقرون للتأهيل، رغم أنهم يساهمون ماليا في نظام تكوين لا يعود عليهم بأي فائدة تذكر. أليس هذا شكلا من أشكال “الضريبة بلا مقابل”؟
ثم نصل إلى المأساة الرقمية. في عالم يعاد تشكيله بالذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا، لا تتجاوز نسبة اعتماد هذه الأدوات 5% لدى المقاولات الصغيرة. هذا ليس مجرد تأخر، بل إقصاء من المستقبل. والأسوأ أن هذا التأخر لا يقابل بأي سياسة عمومية جدية لسد الفجوة، وكأن الأمر لا يعني أحدا.
الحكومة هنا لا يمكنها الاختباء خلف الأعذار التقنية أو تعقيد الإصلاحات. ما يحدث هو نتيجة مباشرة لغياب رؤية متكاملة، وإرادة سياسية تضع الأولويات في غير محلها. فبدل تمكين المقاولات الصغيرة، يتم تركها تواجه منافسة غير متكافئة، وبيئة اقتصادية قاسية، دون أدوات أو دعم حقيقي.
إن أخطر ما في هذا الوضع ليس فقط الخسائر المالية، بل الرسالة الضمنية التي يبعثها: أن النجاح في المغرب ليس بالضرورة نتيجة للكفاءة أو الجهد، بل لقدرتك على تجاوز نظام معقد أو الالتفاف عليه. وهذه ليست فقط إهانة للمقاولين الصغار، بل تهديد مباشر لفكرة الاقتصاد العادل.
إذا كانت الحكومة جادة فعلا في دعم هذا النسيج الحيوي، فالإصلاح لا يجب أن يكون تجميليا أو خطابيا، بل جذريا وشجاعا: إعادة تصميم منظومة الصفقات العمومية لتكون في متناول الجميع، تبسيط المساطر بشكل حقيقي، توفير مواكبة تقنية وتمويلية فعالة، وربط المسؤولية بالمحاسبة في كل درهم يفترض أن يصل إلى هذه المقاولات.
غير ذلك، سنظل ندور في حلقة مفرغة: تقارير تدق ناقوس الخطر، وخطابات تطمئن الرأي العام، وواقع يزداد سوءا بصمت. وفي النهاية، الخاسر الأكبر ليس فقط المقاولات الصغيرة، بل اقتصاد بلد يُفوّت على نفسه فرصة النهوض من الداخل.