الإعاقة بالمغرب: سؤال المعنى بين المؤسسة والمجتمع

0

د. هشام بوقشوش / باحث في علم الاجتماع
يشكل الاحتفاء باليوم الوطني للإعاقة بالمغرب لحظة رمزية كثيفة الدلالة، تتجاوز بعدها الاحتفالي لتغدو فضاء لإعادة مساءلة موقع الإعاقة داخل النسق الاجتماعي المغربي. فالإعاقة ليست معطى بيولوجيا صرفا، بل هي بنية اجتماعية تنتج داخلها التمثلات، وتعاد صياغتها عبر السياسات العمومية، وتتحدد دلالاتها من خلال أنماط التفاعل والاعتراف. ومن ثم، فإن مقاربتها سوسيولوجيا تقتضي تفكيك مستويات المعنى والمفهوم والممارسة، ورصد التوتر القائم بين الفاعل المؤسساتي المثقل بالرهانات، والأفراد الذين ارتفعت انتظاراتهم الحقوقية والاجتماعية.
سؤال المعنى – الإعاقة بين البناء الاجتماعي وإعادة تعريف الاختلاف
عرفت سوسيولوجيا الإعاقة تحولا إبستمولوجيا أساسيا مع الانتقال من النموذج الطبي الذي يحصر الإعاقة في قصور فردي، إلى النموذج الاجتماعي الذي يرى فيها نتيجة لعوائق بنيوية ورمزية يفرضها المجتمع. في هذا المنظور، لا يختزل العجز في الجسد، بل يفهم كنتاج لنظام معياري يحدد ما هو “سوي” وما هو “منحرف” عن القاعدة.
في السياق المغربي، يتقاطع هذا التحول مع بنية ثقافية تقليدية ما تزال تحمّل الإعاقة شحنات دلالية متباينة: بين الشفقة، والابتلاء، وأحيانا الوصم الصامت. هكذا يتجاور خطاب حقوقي حديث مع تمثلات اجتماعية موروثة، مما ينتج وضعا انتقاليا تتعايش فيه مرجعيتان: مرجعية الاعتراف ومرجعية الإحسان.
وسؤال المعنى هنا ليس لغويا فحسب، بل هو سؤال عن الكيفية التي يدرج بها الاختلاف داخل المتخيل الاجتماعي: هل بوصفه نقصا يجب جبره؟ أم تنوعا يجب احتضانه؟
الفعل المؤسساتي بين عبء التنزيل وحدود الفعالية
تجد المؤسسة العمومية نفسها أمام مهام مركبة: ملاءمة التشريعات، ضمان الولوجيات، إدماج الأشخاص في وضعية إعاقة في التعليم والتشغيل، وتطوير آليات الاستهداف والحماية الاجتماعية. غير أن الإشكال لا يرتبط فقط بندرة الموارد أو بتعدد المتدخلين، بل بطبيعة التحول المطلوب.
فالانتقال من سياسة الرعاية إلى سياسة التمكين يفترض إعادة صياغة المنطق الإداري ذاته. لم يعد الأمر يتعلق بتقديم خدمات لفئة “هشة”، بل بإعادة توزيع الفرص وإزالة الحواجز البنيوية. وهذا يتطلب حكامة تقاطعية تتجاوز التقسيم القطاعي، وثقافة تنظيمية تعترف بالشخص في وضعية إعاقة كفاعل وشريك لا كموضوع تدخل.
إن ثقل المهمة المؤسساتية يكمن في هذا البعد التحويلي: أي في تحويل الاعتراف القانوني إلى ممارسة يومية، وتحويل النصوص إلى آثار اجتماعية ملموسة.
تصاعد الانتظارات الاجتماعية وتحول الذات إلى فاعل حقوقي
شهد الفضاء العمومي المغربي خلال العقدين الأخيرين توسعا في الوعي الحقوقي، مدعوما بانخراط المجتمع المدني، وتنامي التعبير الرقمي، وتطور الخطاب الحقوقي العالمي. ونتيجة لذلك، لم تعد مطالب الأشخاص في وضعية إعاقة وأسرهم مقتصرة على الولوج إلى خدمات أساسية، بل امتدت إلى:
• المشاركة في صياغة السياسات العمومية؛
• ضمان الاستقلالية والعيش المستقل؛
• الاعتراف بالقدرة والكفاءة؛
• الحماية من التمييز والوصم.
هذا التحول ينقل الإعاقة من دائرة المستفيد إلى دائرة المواطن كامل الحقوق. ويخلق في الوقت نفسه توترا مشروعا بين بطء التحول المؤسساتي وسرعة تشكل الوعي الاجتماعي. وهنا يتبلور أحد أبرز الانزياحات المعاصرة: انتقال مركز الخطاب من الرعاية إلى المواطنة.
التفاعلات والانزياحات – بين الخطاب والممارسة
يمكن قراءة المشهد المغربي من خلال أربع ديناميات أساسية:
1. انزياح معياري: انتقال مرجعي من المقاربة الإحسانية إلى المقاربة الحقوقية.
2. تضاد تمثلي: استمرار ممارسات رمزية تعيد إنتاج الوصم رغم تبني خطاب الإدماج.
3. فجوة تنفيذية: تفاوت بين النصوص القانونية والتنزيل الفعلي على المستوى الترابي.
4. إعادة تشكيل الحقل: بروز فاعلين جدد (جمعيات، أسر، خبراء) يطالبون بإعادة تعريف الأولويات.
هذه التفاعلات تكشف أن الإعاقة ليست ملفا قطاعيا معزولا، بل مجالا لصراع رمزي حول تعريف العدالة، وتوزيع الاعتراف، وتحديد من يملك سلطة تسمية الواقع.
سؤال المفهوم – نحو تأطير نظري نقدي متجدد
مقاربة الإعاقة في المغرب تقتضي إطارا نظريا يتجاوز الاختزال ويستوعب تعقيد السياق. ويتأسس هذا الإطار على:
• تحليل الإعاقة كبنية إنتاج اجتماعي للاختلاف؛
• تفكيك آليات الوصم وإعادة إنتاج التراتب الرمزي؛
• اعتماد منظور تقاطعي يراعي النوع الاجتماعي، والمجال القروي/الحضري، والطبقة الاجتماعية؛
• مساءلة السياسات العمومية بوصفها فضاء للصراع حول تعريف الاستحقاق.
بهذا المعنى، تصبح سوسيولوجيا الإعاقة أداة لقراءة المجتمع ذاته، لأنها تكشف عن مستوى نضجه في استيعاب التعدد وإعادة توزيع الفرص.
من سؤال الطرح إلى سؤال العمل – رهانات التحول المجتمعي
إذا كان سؤال المعنى يتعلق بإعادة تعريف الإعاقة، فإن سؤال العمل يتعلق بترجمة هذا التعريف إلى ممارسة. ويتطلب ذلك:
• تعزيز التقائية السياسات العمومية لضمان انسجام التدخلات؛
• الاستثمار في البحث السوسيولوجي الميداني لإنتاج معرفة دقيقة تؤطر القرار؛
• إعادة تشكيل الخطاب العمومي والتربوي بما يرسخ ثقافة الاعتراف؛
• إرساء آليات تقييم ومساءلة تقيس الأثر لا النوايا.
الرهان هنا ليس تقنيا فحسب، بل هو رهان حضاري: بناء نموذج مجتمعي يعترف بالاختلاف كقيمة مضافة، لا كعبء ينبغي احتواؤه.
الإعاقة كاختبار للعدالة الاجتماعية
في سياق اليوم الوطني للإعاقة بالمغرب، يتجاوز النقاش حدود الاحتفاء ليغدو مساءلة عميقة لمدى تحقق العدالة الرمزية والاجتماعية. فالإعاقة ليست هامشا في المشروع المجتمعي، بل معيارا لقياس درجة دمقرطة المجال العمومي.
إن سوسيولوجيا الإعاقة في المغرب تكشف عن مرحلة انتقالية: وعي حقوقي متقدم، ومؤسسات في طور إعادة التشكّل، وتمثلات اجتماعية تتأرجح بين القديم والجديد. والرهان المركزي يظل هو الانتقال من إدارة الاختلاف إلى الاعتراف به، ومن التدبير الجزئي إلى التحول البنيوي، بما يجعل الكرامة والمساواة أساسا فعليا للعقد الاجتماعي.