من تدبير المال العام لنقد الأحزاب.. “طاليس” يتربع على عرش الكوميديا في ليلة استثنائية بالرباط

0

شهد مسرح محمد الخامس بالرباط، مساء الثلاثاء، احتفالية فنية استثنائية، حيث تعانق الإبداع الكوميدي مع الحضور الجماهيري الغفير، في ليلة أحياها الكوميدي عبد العالي المهر، الشهير بـ “طاليس”، ضمن جولته الناجحة لعرضه المسرحي “صلاح وفاتي”.

ولم يكن العرض مجرد محطة فنية عابرة، بل تجسيدا حيا لتربع “طاليس” على عرش الكوميديا المغربية الحديثة، في ليلة غصت فيها القاعة عن آخرها بجمهور جاء ليعلن ولاءه لفن يجمع بين المتعة والعمق.

ومنذ اللحظات الأولى، بدت القاعة ممتلئة عن آخرها، في مشهد يعكس الشعبية الكبيرة التي يحظى بها “طاليس” لدى الجمهور المغربي. أضواء المسرح انطفأت تدريجيا، لتفسح المجال لعرض كوميدي ينبض بالحياة، حيث تعالت أصوات القهقهات منذ الدقائق الأولى، ولم تهدأ إلا لتعود أقوى، مصحوبة بتصفيقات حارة وتفاعل مباشر مع كل “إيفيه” أو موقف ساخر، إذ لم يكن الجمهور مجرد متفرج، بل كان جزءا من العرض، يشارك بالضحك والتعليق والانخراط الكامل في تفاصيله.

وانصهر الجمهور في عوالم العرض الذي استلهم قوته من “بساطة الديكور وعمق الرسالة”، عبر فضاء يجسد تفاصيل البيت المغربي التقليدي، حيث نجح “طاليس” في تحويل الخشبة إلى مختبر سوسيولوجي يرصد أدق تفاصيل الحياة الزوجية لثنائي “صلاح وفاتي”.

وبفضل الكيمياء الفنية العالية والانسجام الفذ بين “طاليس” والممثلة فدوى الطالب، استطاع العرض أن يتجاوز حدود السخرية السطحية، ليتحول إلى “مقاومة بالضحك”، حيث وجد المتفرج نفسه مرآةً لشخصيات العرض، يضحك على مفارقاتها التي هي في الأصل انعكاس لواقعه اليومي.


ولم يكتف “طاليس” بانتزاع القهقهات التي هزت جنبات المسرح، بل ارتقى بالعرض إلى مستويات النقد الاجتماعي والسياسي اللاذع، فبذكاء فني معهود، مرر “طاليس” رسائل سياسية مشفرة تارة ومباشرة تارة أخرى، متناولا قضايا الفساد، وتدبير المال العام، وأداء الأحزاب السياسية، منتقدا “لغة الخشب” بأسلوب ساخر يجعل المتلقي في حالة تيقظ ذهني بين الضحكة والأخرى.

وفي لفتة ذكية، ربط “طاليس” بين الفن والإعلام مستحضرا جريدة “العمق المغربي” ومدير نشرها محمد لغروس، في إشارة رمزية إلى أن الكوميديا الحقيقية هي تلك التي “تغوص في العمق” وتكشف المسكوت عنه بذكاء الفكاهة.

وتجلى نضج “طاليس” الفني في قدرته الفائقة على “إدارة العفوية”، حيث لم يكن الجمهور مجرد متلق سلبيا، بل شريكا في صناعة العرض، وبفضل مهارته في الارتجال، استطاع “طاليس” التقاط تعليقات الحاضرين وتحويلها إلى مادة كوميدية آنية، مما أضفى طابعا حيويا متجددا على العرض، وجعل كل لحظة فوق الخشبة فريدة وغير قابلة للتكرار.

وتكمن خلف هذا النجاح قصة إنسانية ملهمة لفنان لم تُفرش له الدروب بالورود، فابن مدينة زاكورة، الذي بدأ مساره من نقطة الصفر كادحا في مهن بسيطة من بينها بيع الأكياس والسجائر والماء المثلج استطاع أن يحول “مرارة التجربة” إلى “عذوبة الفن”، إذ أن هذا الرصيد الإنساني الغني هو ما يمنح نصوصه تلك “الصدقية” التي تفتقدها الكوميديا المستوردة، فهو يكتب بمداد من واقع عاش تفاصيله، وينطق بلسان طبقة شعبية ينتمي إليها فكرا وروحا.

وفي مشهد فني متسارع، استطاع عبد العالي المهر، أن يفرض نفسه كواحد من أبرز القوى الإبداعية في المغرب، إذ لم يعد “طاليس” مجرد فكاهي عابر، بل تحول إلى “مؤسسة فنية” قائمة بذاتها، تضع بصمتها على المسرح، التلفزيون، والسينما، مما جعله في طليعة أبناء جيله والأكثر تأثيرا في صياغة الذائقة الكوميدية المعاصرة.

ويتميز “طاليس” بقوة إبداعية محركة تجاوزت حدود الفكاهة التقليدية لتؤسس لمرحلة جديدة من الكوميديا الذكية، فهو الكاتب والممثل والمخرج والمنتج وصانع النجوم، الذي استطاع في وقت وجيز أن يتصدر المشهد ويكون الأكثر تأثيرا في صياغة الذائقة الكوميدية لجيل كامل.

ويرتكز النجاح المميز لطاليس على أسلوبه الذي يمكن وصفه بـ “السهل الممتنع”، حيث يمتلك ذكاء سوسيولوجيا فريدا في التقاط أدق تفاصيل المعيش اليومي للمغاربة وتحويلها إلى مادة ضاحكة تلامس الوجدان.

ومن خلال تمكنه من أدوات الكوميديا الموقفية، استطاع أن يبني صروحا من الضحك الهادف الذي ينتقد الظواهر الاجتماعية دون تجريح، معتمدا على لغة فنية مبتكرة تمزج بين الأصالة والمعاصرة. هذه اللغة جعلت من “إيفيهاته” الكوميدية جزءا من القاموس اليومي للشباب، مما يعكس قدرته الفائقة على قراءة وفهم لغة الشارع وتحويلها إلى فن راق.

ولا تقتصر ريادة “طاليس” على أدائه الفردي، بل تمتد لتشمل دوره كـ “عرّاب” للكوميديا الشبابية في المغرب، فمن خلال مشروعه الرائد “إيموراجي”، جسد “طاليس” أسمى قيم نكران الذات والقيادة الفنية، محولا هذا المشروع إلى مختبر لاكتشاف وصقل المواهب.

وبفضل رؤيته الإنتاجية والإخراجية، نقل الكوميديا المغربية من حيز العفوية البسيطة إلى الاحترافية المنظمة، مانحا عشرات الوجوه الشابة فرصة السطوع تحت الأضواء، وهو ما أكد مكانته كصانع للنجوم ومجدد للدماء في عروق الساحة الفنية الوطنية.

وتظل ظاهرة “صلاح وفاتي” هي الدليل الأبرز على عبقرية “طاليس” في استثمار الكيمياء الفنية وصناعة النجاح المطلق، إذ استطاع عبر هذه السلسلة أن يخلق استمرارية نادرة لشخصيات تعايش معها الجمهور لسنوات دون سأم.

وبذكاء تقني، نجح “طاليس” في تحقيق المعادلة الصعبة عبر الجمع بين الانتشار الرقمي الكاسح على منصات التواصل الاجتماعي وبين تصدر نسب المشاهدة في القنوات التلفزيونية الرسمية، وذلك بفضل تمسكه بهويته المغربية “تمغربيت” وقدرته على التجدد المستمر في أدواته ككاتب وممثل، ما جعله نموذجا يحتذى به في التميز الفني، مكرسا اسمه كأحد أبرز وأفضل الأسماء التي أنجبها الجيل الحالي في عالم الكوميديا.