تسليع الرجولة في المغرب المعاصر: تحفيز التستوستيرون بين الطب والاقتصاد الرقمي
د. هشام بوقشوش / باحث في علم الاجتماع
يشكل موضوع تحفيز هرمون التستوستيرون في المجتمع المغربي مدخلا سوسيولوجيا غنيا لتحليل تحولات عميقة تمس الجسد، والذكورة، والشرعية المعرفية، والاقتصاد الرقمي، والعلاقات الجندرية. فالمسألة لم تعد مقتصرة على تدخل طبي علاجي لحالات نقص هرموني مشخصة، بل أصبحت ظاهرة اجتماعية تتقاطع فيها تمثلات القوة، والقدرة الجنسية، والإنجاب، والنجاح الجسدي، مع منطق السوق وتكنولوجيا الاتصال الحديثة. إننا إزاء انتقال من مقاربة بيولوجية ضيقة إلى حقل اجتماعي–رمزي مفتوح يعاد فيه تعريف معنى الرجولة وحدودها.
في المستوى الأول، يتعين فهم التستوستيرون لا بوصفه مجرد هرمون، بل باعتباره رأسمالا جسديا داخل بنية اجتماعية تمنح الذكورة موقعا مركزيا. في المجتمع المغربي، ما تزال الرجولة ترتبط بالقدرة على الإعالة، والإنجاب، والتحكم، والصلابة الجسدية. أي تراجع في هذه المؤشرات يقرأ كاختلال في الهوية، لا كعارض صحي فحسب. من هنا يتحول الحديث عن ” نقص التستوستيرون ” إلى خطاب يمس المكانة الرمزية للرجل داخل الأسرة والفضاء العمومي. هذا التحول يعكس آلية اشتغال الهيمنة الرمزية، حيث تختزل قيمة الفرد في مؤشرات أداء بيولوجية، ويعاد إنتاج نموذج معياري للرجولة يصعب الفكاك منه.
غير أن الظاهرة لا تتشكل في فراغ؛ بل تتوزع داخل حقل تنافسي بين فاعلين متعددي الشرعية. الطبيب المختص يستند إلى مرجعية علمية دقيقة، ويؤطر استعمال الهرمون ضمن بروتوكولات تشخيصية قائمة على التحليل المخبري، ويربط العلاج بحالات مرضية محددة. هذا الخطاب يقوم على ضبط الممارسة وتقييدها، ويؤكد المخاطر المحتملة للاستعمال العشوائي، سواء على المستوى القلبي أو النفسي أو الهرموني. في المقابل، يحتل العشاب وممارسو الطب البديل موقعا متجذرا في الثقافة المحلية، حيث تستدعى فكرة “الطبيعي” بوصفها أكثر أمانا وأقرب إلى الجسد المغربي. هنا تتأسس شرعية موازية، قوامها التجربة المتوارثة لا المختبر، والثقة الثقافية لا المعايير العلمية الصارمة.
إلى جانب هذين الفاعلين، يبرز الاقتصاد الرقمي بوصفه وسيطا حاسا في إعادة تشكيل الظاهرة. المنصات الاجتماعية لا تكتفي بعرض المنتجات؛ بل تصنع الحاجة ذاتها عبر تضخيم القلق الجسدي وإعادة إنتاج صور معيارية للذكورة الناجحة: جسد رياضي، طاقة مرتفعة، أداء جنسي متفوق. الخوارزميات تضخم المحتوى المرتبط بالقوة والتحسين الذاتي، فيتحول الجسد إلى مشروع مفتوح للتحسين المستمر. بهذا المعنى، يتقاطع منطق البيوسياسة – الذي يجعل الجسد مجالا للتدخل والتنظيم – مع الرأسمالية الرقمية التي تحول هذا التدخل إلى سوق مربحة.
هذا التداخل بين الطب، والطب البديل، والسوق الرقمية يكشف عن صراع شرعيات لا يخلو من تضادات. فبينما يؤكد الخطاب الطبي على التشخيص الفردي والاحتياط، يميل الخطاب التسويقي إلى التعميم وتوسيع قاعدة المستهلكين. وبينما يشدد الطب على حدود الاستعمال، يغري السوق بفكرة الوقاية المسبقة أو التحسين الاختياري. هكذا ينتقل تحفيز التستوستيرون من مجال العلاج إلى مجال ” تعزيز الأداء “، وهو انتقال يعكس تحولات أوسع في تصور الجسد بوصفه رأسمالا ينبغي استثماره.
أما من حيث التحول التاريخي في أنماط التفاعل، فيمكن رصد انتقال واضح من السرية إلى العلنية الرقمية. كان موضوع القدرة الجنسية أو الضعف الهرموني يدار في دوائر مغلقة، داخل العيادات أو في أحاديث خاصة بين الرجال. اليوم، أصبح مادة محتوى علني، يناقش في فيديوهات قصيرة، ويروّج له بإعلانات ممولة، ويعرض في متاجر إلكترونية عابرة للحدود. هذه الاستباحة الرقمية لا تعني فقط توسع الانتشار، بل إعادة تعريف الحميمي ذاته؛ إذ يتحول ما كان شأنا شخصيا إلى موضوع استعراضي يخضع لمنطق التقييم والتعليق والمقارنة.
البعد الجندري في الظاهرة مركزي ومعقد. صحيح أن الخطاب يتمحور حول الرجال، لكن المنظومة الاجتماعية برمتها تشارك في إنتاج الطلب. فالأسرة قد تمارس ضغطا غير مباشر مرتبطا بالإنجاب، وسوق الزواج يعيد إنتاج توقعات حول الفحولة، والخطاب الثقافي يربط الرجولة بالقدرة والصلابة. في المقابل، نلاحظ حضورا نسائيا غير مباشر في عملية التسويق أو في توجيه الشريك نحو العلاج. بذلك، لا يعود التستوستيرون مسألة ذكورية خالصة، بل عقدة تقاطع بين توقعات اجتماعية متبادلة.
من زاوية التقاطعات الاجتماعية، لا تتوزع الظاهرة بالتساوي. فشباب المدن المرتبطون بالمنصات الرقمية أكثر تعرضا للخطاب التسويقي العالمي، بينما تميل فئات أخرى إلى الأعشاب بحكم الكلفة أو القرب الثقافي. كما يشكل رواد قاعات اللياقة البدنية فئة ذات قابلية عالية لتعاطي مكملات أو محفزات هرمونية، تحت ضغط معايير جسدية صارمة. هذا التفاوت يعكس علاقة الظاهرة بالبنية الطبقية، وبمستويات الولوج إلى المعرفة الصحية، وبالاندماج في الاقتصاد الرقمي.
على مستوى التمثلات، تتكرر مجموعة من الأفكار: اختزال الرجولة في مستوى هرموني، الاعتقاد بأن “الطبيعي” خالٍ من المخاطر، تصور الجسد كمشروع تحسين دائم، والربط بين القوة البيولوجية والنجاح الاجتماعي. هذه التمثلات تعكس نزوعا نحو بيولوجة الهوية، حيث تعاد صياغة المكانة الاجتماعية عبر مؤشرات عضوية قابلة للقياس. غير أن هذا النزوع يحمل مخاطر انزلاقية، إذ قد يدفع إلى تعاطي غير مضبوط أو إلى توتر نفسي دائم ناجم عن مقارنة الذات بمعايير رقمية مثالية.
النتائج الاجتماعية متعددة الأبعاد. صحيا، قد يؤدي الاستعمال غير المراقب إلى مضاعفات خطيرة. رمزيا، يعزز الخطاب السائد نموذجا مهيمنا للرجولة يستبعد الهشاشة ويجرّم الضعف. اقتصاديا، يفتح المجال لسوق سوداء أو منتجات غير خاضعة للرقابة. وأخلاقيا، يطرح سؤال مسؤولية المنصات في تضخيم القلق الجسدي وتحويله إلى مادة استهلاكية.
استشرافيا، يحتمل أن يتعزز تدخل الدولة لتنظيم سوق المكملات والمنتجات الهرمونية، وأن يتزايد حضور الشركات الدولية، وأن يتعمق الجدل بين الطب الرسمي والطب البديل. كما قد تنشأ حركات نقدية تدعو إلى إعادة تعريف الرجولة خارج الاختزال البيولوجي، وإلى إدماج الصحة الجنسية ضمن مقاربة شمولية تتجاوز منطق الأداء.
في الخلاصة، تكشف سوسيولوجيا تحفيز التستوستيرون في المجتمع المغربي عن إعادة تشكيل معقدة للعلاقة بين الجسد والسلطة والسوق. نحن أمام ظاهرة تنتقل من معالجة نقص عضوي إلى إدارة قلق اجتماعي، ومن فضاء حميمي مغلق إلى ساحة رقمية مفتوحة، ومن شرعية طبية مضبوطة إلى تنازع متعدد بين العلم والثقافة والسوق. إنها مرآة لتحولات أعمق تمس معنى الرجولة في زمن الرقمنة، حيث يصبح الجسد مجالا للصراع الرمزي، وتتحول البيولوجيا إلى لغة للهيمنة وإعادة الإنتاج الاجتماعي.