مقبرة باب لعلو بالرباط.. الإهمال يهدد حرمة الموتى

0

بقلم خديجة الكور
باحثة في علم الاجتماع

ليست المقبرة مجرد فضاء لدفن الموتى، بل هي امتحان يومي لضمير المجتمع، ومرآة تعكس درجة وفائه لقيم الكرامة والاحترام والمساواة. ففي هذه الأمكنة، لا تُقاس حضارة الأمم بما تشيده للأحياء فقط، بل أيضًا بما تصونه لمن رحلوا، وبالطريقة التي تحمي بها حرمة الموتى وتصون سكينة ذويهم.

وفي كل المجتمعات، تظل المقابر فضاءات ذات حمولة رمزية عميقة، تربط بين الذاكرة والهوية، وبين الوفاء للماضي والمسؤولية تجاه الحاضر. فالعناية بها ليست مجرد شأن تقني أو إداري، بل تعبير صريح عن وعي جماعي يرى في احترام الموتى جزءًا من احترام الإنسان نفسه، ومن الإيمان بأن الكرامة لا ينبغي أن تنتهي عند حدود الحياة.

وفي المغرب، تخضع المقابر لإطار قانوني وتنظيمي يحدد المسؤوليات المرتبطة بإحداثها وتدبيرها وصيانتها، بما يضمن احترام حرمة الموتى، والحفاظ على النظام العام، ومراعاة شروط السلامة والصحة والنظافة داخل هذه الفضاءات. كما تتحمل الجماعات الترابية، إلى جانب السلطات المختصة، مسؤولية مباشرة في التدبير اليومي للمقابر، من حيث التنظيم، والحراسة، والنظافة، والصيانة، وإعادة التأهيل عند الضرورة. غير أن وجود النصوص وحده لا يكفي، ما لم يواكبه تنفيذ فعلي وحكامة ميدانية صارمة، لأن حرمة المقابر لا تُصان بالشعارات، بل بإرادة واضحة ومراقبة مستمرة.

غير أن ما يكشفه الواقع في مقبرة باب لعلو يبعث على القلق والاستياء. فالمكان الذي يفترض أن يكون فضاء للسكينة والترحم، صار في بعض أجزائه عنوانًا للإهمال الواضح، بما يسيء إلى حرمة الموتى وإلى مشاعر أسرهم.

فالزائر يجد قبورًا مهملة، وأعشابًا برية تزحف على المدافن، ونفايات متناثرة، وكلابًا ضالة تتحرك في المكان دون رقيب، بل إن العقارب أصبحت جزءًا من مشهد لا يليق بحرمة المقابر ولا بمكانتها الرمزية والدينية. ولا يتعلق الأمر هنا بمجرد اختلال في المظهر العام، بل بصورة مقلقة من صور التهاون في صيانة فضاء يفترض أن يُعامل بأقصى درجات العناية والاحترام.

إن هذا الإهمال لا يسيء فقط إلى المكان، بل ينعكس مباشرة على الأسر التي تأتي لزيارة موتاها، فتجد نفسها أمام مشهد مؤلم يحول لحظة الدعاء والترحم إلى تجربة مثقلة بالحزن والغضب والانكسار. وهنا تكمن خطورة المسألة: حين تصبح زيارة القبور نفسها عبئًا نفسيًا، بدل أن تكون فعل وفاء وطمأنينة.

فالمقبرة ليست هامشًا منسيًا في المدينة، ولا مساحة ثانوية يمكن تأجيل العناية بها، بل هي فضاء أخلاقي بامتياز، تُختبر فيه جدية المؤسسات، ويظهر من خلاله مدى احترام المجتمع لكرامة الإنسان بعد وفاته. وكل تهاون في تدبير هذا الفضاء هو، في جوهره، تهاون في معنى الاحترام ذاته.

ومن غير المقبول أن تتحول المقابر إلى أماكن مفتوحة على الإهمال، أو أن يُترك بعضها عرضة للتدهور، في وقت يفترض فيه أن تكون جميعها، دون استثناء، تحت الرعاية والمتابعة والصيانة المستمرة. لأن كرامة الموتى لا تقبل التفاوت، وحرمة القبور لا ينبغي أن تخضع لمنطق الأولويات المؤجلة أو التدخلات الموسمية.

أمام هذا الوضع، يصبح لزامًا على السلطات المختصة، المحلية والوطنية، أن تتحمل مسؤولياتها كاملة، وأن تبادر إلى اتخاذ إجراءات عاجلة وملموسة. فالحاجة اليوم ليست إلى وعود عامة، بل إلى تدخل ميداني واضح يشمل تأمين المقبرة، وتنظيم الحراسة، والتنظيف المنتظم، وصيانة القبور، وإعادة تأهيل الأجزاء المتضررة، مع وضع آلية دائمة للتتبع والمراقبة.

إن هذه التدابير ليست ترفًا إداريًا، ولا مطلبًا ثانويًا، بل ضرورة أخلاقية ومؤسساتية وإنسانية. فالموتى، مهما كانت أوضاعهم في الحياة، لهم حق ثابت في أن تُصان حرمتهم، وأن يظل مثواهم الأخير مكانًا للسكينة والاحترام، لا عنوانًا للإهمال أو التجاهل.

إن مقبرة باب لعلو ليست مجرد أرض للدفن، بل مرآة حقيقية لضمير المجتمع. وأي تقصير في رعايتها لا يمس فقط صورة المكان، بل يمس القيم التي يفترض أن يتأسس عليها الوعي الجماعي: الكرامة، والعدالة، والاحترام.

ومن هذا المنطلق، فإن الدعوة إلى تدخل عاجل وصارم لم تعد مجرد مطلب مشروع، بل أصبحت واجبًا لا يحتمل التأجيل، لأن صون حرمة الموتى ليس مسألة شكلية، بل التزام أخلاقي عميق، ومؤشر على مدى وفاء المجتمع لإنسانيته.