المستهلك المغربي بين إرتفاع تكلفة المحروقات و محدودية آثار سياسة الدعم الحكومي

0

بقلم يوسف بونوال
دكتور في الإقتصاد التطبيقي

المحافظة

كثيراً ما يكون النقاشُ بين الأصدقاء و الأسر، خلال الليالي الرمضانية، حول مواضيعَ ذاتِ حمولةٍ دينيةٍ و روحانيةٍ. غير أن رمضان هذه السنة هلَّ علينا و منطقة الخليج تعيش حربا بدون أفقٍ و لأسباب تخضع لحسابات إعادة ترتيب الأدوار بالشرق الأوسط، و خصوصا بتداعيات وصلت لبقاعٍ كثيرة و المغرب جزء من هذه البقاع. آثار هذه الحرب أصبحت موضوعَ نقاشٍ و لم يعد يُختزَل هذا النقاش داخل مساحةٍ ضيقةٍ من النخبة و المهتمين لأن هذه الآثار ستنعكس سلباً على القدرة المعيشية لفئة جد عريضة من المغاربة و ما ليلةُ الخامس عشر من هذ الشهر، مارس 2026، ببعيدةٍ بعد الزيادة الفجة في أثمنة المحروقات بنسبة فاقت 20%.
إرتفعت أثمنة المحروقات بدون تدابير إستباقية للحد من الوقع، و كذلك بدون ضوابط مهنية و أخلاقية إحتراما لذكاء المغاربة بتفعيل مفهوم تدبير المخزون الإحتياطي. شركات المحروقات حققت هوامش ربح إضافية دون عناء إستغلالا للمخزون المتوفر قبل منتصف “الليلة المشؤومة” حيث الطوابير طويلة من المركبات للتزويد بالوقود و كأننا في إقتصاد بدون مراقبة، و في سوق حيث تُستباح القدرة الشرائية للمغاربة بدريعة حرية المنافسة و المبادرة. هذا حق أُريد به باطل لأن النظام الإقتصادي الليبرالي المسؤول و المواطن لا يخضع للمنطق “المتوحش” بإستقواء أصحاب النفوذ المالي الملغوم بالنفوذ السياسي.
في دراسة للجنة الأمم المتحدة الإقتصادية والإجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا) تحت عنوان “الصراع وتداعياته : تصاعد حدة الأزمة في المنطقة العربية”، بلغت الخسائر التقديرية بالمنطقة خلال أول أسبوعين حوالي 63 مليار دولار و قد تصل في حال تواصل الحرب مدة شهر إلى 150 مليار دولار و هو ما يعادل 3،70% من الناتج المحلي الإجمالي الإقليمي.
الإقتصاد المغربي ليس بمنأىً عن هذه التداعيات رغم تطمينات والي بنك المغرب الممزوجة بضرورة توخي الحذر من إرتفاع حالة اللايقين التي تحيط بالاقتصاد العالمي و كأن المعنيَ بهذا الخطاب مهندسو قانون المالية لسنة 2026 بفرضية 65 دولار للبرميل. فرضيةٌ تزداد هشاشة و بهامش خطأ يتسع أكثر فأكثر مع ما يعيشه سوق المحروقات من إرتفاع مستمر على المستوى العالمي.

حالة اللايقين التي تخيم على مدة النزاع بالشرق الأوسط و إتساع جغرافيته و حدته تجعل الاقتصاد المغربي رهينة للأسواق المالية العالمية و تقلبات أسعار المواد الأولية. نقول للحكومة و أكيد أنها على دراية بالأمر، إن التأثير سيكون حاضرا و بدون شك خصوصا عبر تكلفة الطاقة و الحسابات الخارجية و أن اللجوء إلى الخط الإئتماني مع صندوق النقد الدولي عند بلوغ سعر برميل النفط إلى 100 أو 120 دولاراً، على الرغم من أهميته، غير أنه يبقى بأثر محدود. تبقى الحكومة للأسف في رد الفعل بدل الفعل و المتضرر الأول و الأخير هو المستهلك المغربي. و في مفارقة عجيبة، هذا المستهلك ضحية “مزاجية القرار” حيث عندما ترتفع أسعار المحروقات دوليا ينعكس ذلك بسرعة كبيرة و حين تنخفض الأسعار دوليا تبقى نفس أثمنة المحروقات لمدة طويلة في تغييب للدور المؤسساتي المهم لمجلس المنافسة.
و هنا نتساءل عن مصير المخزون الإحتياطي الذي تفرضه بنود دفتر التحملات لشركات توزيع المحروقات و الذي يمول من داخل الفاتورات التي يؤديها المستهلكون. تحرير أثمان المحروقات بالمغرب يبقى رهينا بضرورة إعتماد آليات لضبط تقلبات الأسعار و خلق مخزون إستراتيجي تعزيزا للأمن الطاقي الوطني.
للأسف ظلت الحكومة وفيّة لنهجها و منهجيتها المعتمدة على “حلول بدون إبداعِ كفاءات” و هي التي رفعت لواء الكفاءة منذ 2021. الحكومة لجأت لآلية الدعم التي أصبحت بكثرة اللجوء إليها مطيَّة سهلة بدون أثر و فاعلية على إستقرار القدرة الشرائية.
دعم مهنيي قطاع النقل الطرقي للبضائع والأشخاص الذي دخل حيز التنفيد يوم الجمعة 20 مارس 2026 يأتي، كما وضحه بيان الحكومة، امتداداً لبرنامج الدعم الذي تم اعتماده في مارس 2022. حسب علمي، لم تقم الحكومة بدراسة أولية للمعرفة العلمية لآثار هذه الآلية على حماية القدرة الشرائية للمواطنين و التخفيف من التكلفة المالية على مهنيّي القطاع، و بالتالي تقييم مدى نجاعتها في الحفاض على إستقرار أسعار النقل، وضمان التموين المستمر للأسواق في كل الجهات.
و بعملية بسيطة فقد تجاوز مبلغ الدعم العشرة مليار درهم منذ مارس 2022 مع تسجيل لإرتفاع هيكلي لجل المواد الأساسية التي تدخل تاريخيا في تركيبة القفة المغربية. تكلفة تم تمويلها من الميزانية العامة للدولة، و بالتالي من الجزء المهم المتكون أساسا من ضرائب المغاربة، دون مردودية على مستوى الإستهلاك بشكل خاص و على الإقتصاد بشكل عام.
أمام هذا الوضع، و خصوصا أن ملف المحروقات قد أثار كثيرا من النقاش العمومي، أعتقد أنه آن الأوان لإتخاذ إجراءات حاسمة و جدية في موضوع هوامش الربح الفاحشة التي يجنيها مهنيو هذا القطاع عبر تفعيل القانون دون ضرب المبادئ التي يرتكز عليها الإقتصاد الذي يشجع الإستثمار. النهج الليبرالي و الحرية المقاولاتية لا يتعارضان البتة مع مأسسة الإقتصاد الذي يشجع الرأسمال مع الحفاظ على التوازنات الماكرو إقتصادية و ضمان الإستقرار و السلم الإجتماعيين الضروريين لإستذامة النمو الإقتصادي و التنمية الإجتماعية.
تسقيف أسعار المحروقات أصبح حديث كثير من السياسيين و الإقتصاديين بإعتبارها آلية لا تتنافى مع أدبيات السوق الحر و لا تتعارض مع القوانين و الضوابط المعتمدة حيث تم إعتمادها في كثير من الدول الأكثر ليبرالية. تسقيف الأسعار و لو بشكل ظرفي و في حدود مدة زمنية يتم إعتمادها وفق معايير علمية، يبقى من بين الحلول التي يجب على الحكومة تنزيلها حماية للمستهلك، حماية له من مطرقة الدخل المحدود و سندان إرتفاع تكلفة العيش.
شخصيا لا أتمنى أن أستمع مرة أخرى لخطاب وزير الميزانية السيد فوزي لقجع، ليجيب على أسئلة في موضوع الدعم و هو يتأسف مرة أخرى على إخفاقٍ جديدٍ تكون القاعة الدائرية لمجلس النواب شاهدة عليه.