استراتيجيات التموقع المؤسساتي والانتخابي للحركة الشعبية في أفق استحقاقات 2026
بقلم الدكتور
علاء الدين بنهادي
شهد المشهد السياسي المغربي خلال السنوات القليلة الماضية تحولات عميقة مست بنية الثقة بين الناخب والمؤسسات المنتخبة، في ظل سياق وطني ودولي يتسم بالهشاشة الاقتصادية والاحتقان الاجتماعي. وفي خضم هذه التحولات، يبرز صعود ملحوظ للأمين العام لحزب الحركة الشعبية، محمد أوزين، كأحد أبرز الفاعلين السياسيين في وسائل التواصل الاجتماعي، والمؤسسة التشريعية، والإعلام السمعي البصري، وفي الفضاءات الجامعية والمعاهد العليا. إن هذا البروز لا يبدو مجرد طفرة إعلامية عابرة، بل يؤسس لمسار استراتيجي قد يرشح الحزب لتبوء مكانة متقدمة في الاستحقاقات التشريعية لعام 2026، بل وقد يمهد الطريق أمام أمينه العام لرئاسة الحكومة، كخيار سياسي توافقي و”رجل دولة” يحظى بثقة المؤسسة الملكية في مرحلة دقيقة تتسم بتآكل الرصيد السياسي لحكومة التحالف الثلاثي برئاسة عزيز أخنوش.
وسنقدم في هذه الورقة البحثية تحليلاً استراتيجياً شاملاً ومفصلاً للدينامية السياسية الراهنة، مع تفكيك دقيق للسياسات الحكومية، واستقراء لتوجهات الناخبين المغاربة (شباباً ومحافظين، في المجالين القروي والجبلي والحضري)، كما تستعرض الورقة هندسة التحالفات، والقراءات الدستورية لتشكيل الحكومة، وصولاً إلى تقييم الترتيبات الداخلية للحزب وهياكله، وذلك بهدف رسم خريطة طريق واضحة المعالم لتعزيز حظوظ الحزب في الاستحقاقات المقبلة.
أولاً: السياق السوسيو-اقتصادي وتآكل الشرعية الإنجازية لحكومة أخنوش
لا يمكن فهم صعود خطاب المعارضة المتميز والتصاعدي الذي يقوده محمد أوزين بمعزل عن التفكيك الدقيق للأداء الحكومي خلال الفترة (2021-2025). لقد اعتمدت حكومة أخنوش، التي تضم التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة والاستقلال، في شرعيتها على مقولة “الكفاءة التقنوقراطية” والقدرة على تدبير الأزمات، غير أن الممارسة أفرزت ما يمكن تسميته بـ “الفجوة الإدراكية” العميقة بين المؤشرات الماكرو-اقتصادية الرسمية، وبين الواقع المعيش للمواطن الذي يكتوي بنار التضخم وتراجع القدرة الشرائية في ظل وضع محلي ودولي مضطرب وقاتم.
1. المفارقة الاقتصادية: نمو الأرقام مقابل الاحتقان الاجتماعي
تشير البيانات الصادرة عن وزارة الاقتصاد والمالية والمندوبية السامية للتخطيط إلى أرقام تبدو في ظاهرها إيجابية، حيث استقر الاقتصاد المغربي محققاً نسبة نمو بلغت 3.8% في عام 2024، بفضل دينامية القطاعات غير الفلاحية التي نمت بنسبة 4.5% (خاصة قطاعات السيارات والفوسفاط). كما سُجل تطور ملحوظ في عائدات الاستثمارات الأجنبية المباشرة، التي قفزت من 26.3 مليار درهم في 2020 لتصل إلى 43.2 مليار درهم في 2024، مع استمرار المنحى التصاعدي بتسجيل 21.9 مليار درهم حتى ماي 2025. وعلى مستوى السياسة النقدية، تم كبح جماح التضخم ليقل عن 1% بنهاية 2024 بعد بلوغه مستويات مقلقة (6.6% في 2022).
بيد أن هذه المؤشرات لم تجد طريقها إلى جيوب المواطنين، ويعزى هذا التناقض إلى بطء تأثير المشاريع الكبرى ذات الاستثمار المكثف للرأسمال، مثل الخط الثاني للقطار الفائق السرعة وموانئ طنجة المتوسط والداخلة الأطلسي ومشاريع الهيدروجين الأخضر التي تبلغ قيمتها 319 مليار درهم، والتي تحتاج إلى “زمن نضج” طويل قبل أن تنعكس على الدخل الفردي. وفي المقابل، ارتفع العجز التجاري خلال الربع الأول من سنة 2025 ليبلغ 71.6 مليار درهم بزيادة 16.9%، مما يعكس ارتهان الاقتصاد الوطني للتقلبات الخارجية.
2. الإخفاق في تدبير الملفات الاجتماعية الحساسة
لقد بنت الحكومة وعودها على شعارات اجتماعية براقة، أبرزها خلق مليون منصب شغل، غير أن الأرقام تكشف عن أزمة هيكلية في سوق العمل. فرغم إحداث حوالي 351 ألف منصب شغل في القطاعات غير الفلاحية في الفصل الأول من 2025، إلا أن المعارضة بقيادة أوزين تؤكد أن الحكومة عجزت حتى عن الحفاظ على الوظائف التي كانت قائمة قبل تعيينها، واصفاً البرنامج الحكومي بـ “الأوهام”. وتتجلى الخطورة في معدلات البطالة بين الشباب في المجال الحضري، والتي بلغت 32% في عام 2024، مما أدى إلى ظواهر مقلقة كالهجرة الجماعية غير النظامية (كما حدث في أحداث الفنيدق).
في قطاع الصحة، ورغم إدماج أربعة ملايين أسرة (حوالي 11 مليون شخص) في نظام “أمو-تضامن” بغلاف مالي بلغ 9.5 مليار درهم لتغطية الاشتراكات، يرى أوزين أن هذا الورش يشهد “تعثراً كبيراً في التنزيل”. وتكمن الأزمة في غياب العرض الصحي الملائم؛ حيث لا تتوفر بلادنا سوى على 7 أطباء لكل 10 آلاف نسمة، وتتركز 50% من الكوادر الطبية في محور سطات-القنيطرة، مما يعمق الفوارق الجهوية ويجعل من التغطية الصحية مجرد “حبر على ورق” في المناطق النائية والقروية.
أما في قطاع التعليم، فقد خلق توجه الحكومة نحو إرساء “مدارس الريادة” و”مدارس التميز” شرخاً مجتمعياً خطيراً، حيث يعتبر الأمين العام للحركة الشعبية أن هذا التوجه أدى إلى بروز أربعة أنواع من المدارس (العمومية العادية، ومدارس الريادة، ومدارس التميز، والمدارس الخاصة)، وهو ما يضرب في العمق مبدأ تكافؤ الفرص الذي ينبغي أن يشكل أساس الاستراتيجية الوطنية للتربية والتعليم، ويعمق التفاوتات المجالية والاجتماعية بين الحواضر والقرى.
3. تدبير الأزمات وصناعة “الاستثناء المغربي” السلبي
تعتبر طريقة تدبير الأزمات المعيار الحقيقي لنجاعة أي حكومة، وقد شكل ملف استيراد الأغنام خلال مناسبة عيد الأضحى من السنة الماضية نقطة انعطاف في علاقة الحكومة بالمواطنين، حيث انتقد أوزين بشدة استمرار الحكومة في استيراد القطيع من الخارج رغم إخفاق العملية في العيدين السابقين، مشيراً إلى أن الدعم الحكومي انتهى به المطاف في جيوب “الكساب الأوروبي” على حساب الفلاح المغربي الصغير.
وقد بلغ النقد أوجه عندما اعتبر أوزين أن هذا التخبط ناتج عن “جفاف رؤية الحكومة وغياب النفس الاستباقي”، واصفاً وصول المغاربة إلى وضعية تعذر معها أداء شعيرة الذبح بأنه “استثناء مغربي جديد” أدخل المواطن في إحساس عميق بـ “الحكرة”، بل وربط هذا الفشل بالسياسات الزراعية السابقة لرئيس الحكومة، مشيراً إلى أن “مخطط المغرب الأخضر” الذي أُهدرت فيه ملايير الدراهم انتهى بعجز الدولة، بسبب هذه الحكومة المتعثرة بنيويا، عن توفير القطيع الوطني، متسائلاً: “كيف سنستطيع أن نحكي للأجيال المقبلة ما حدث معنا؟”. وما زاد من حدة الاحتقان هو لجوء الأغلبية الحكومية إلى منطق “الانغلاق” برفض مقترح المعارضة القاضي بإحداث لجنة برلمانية لتقصي الحقائق بخصوص هذه الفضيحة، والالتفاف عليه بتشكيل لجنة استطلاعية منزوعة الدسم، مما يكرس صورة حكومة تصم آذانها عن المساءلة.
ثانياً: محمد أوزين وبناء صورة “رجل الدولة” المفضل للمؤسسة الملكية
في النظم السياسية العريقة مثل بلادنا، لا تحسم رئاسة الحكومة عبر صناديق الاقتراع وحسب، بل تتطلب بالضرورة التماهي مع محددات “الزمن الاستراتيجي” للدولة ونيل ثقة المؤسسة الملكية. فالقصر في اللحظات الحرجة، المطبوعة بالاحتقان الاجتماعي وتراجع شعبية الأغلبية، يبحث عن شخصيات سياسية قادرة على أداء دور “ممتص الصدمات” (Shock Absorber)، وتمرير الإصلاحات الصعبة دون المساس بالاستقرار المؤسساتي. هنا، يبرز محمد أوزين كمرشح استراتيجي يمتلك مواصفات رجل الدولة.
1. التوازن بين المعارضة الشرسة والولاء المطلق للمؤسسات
يعتمد أوزين نهجاً دقيقاً يفصل فيه بين انتقاد “السياسات الحكومية” وبين التثمين المطلق لـ “المبادرات الملكية” والتوجهات الاستراتيجية للمملكة. ففي أزمة عيد الأضحى، انتقد أوزين الحكومة بضراوة، لكنه أشاد في نفس الوقت بالإهابة الملكية لعدم الذبح بوصفها “خطوة حكيمة”، جاعلاً من الفشل الحكومي تناقضاً مع الحكمة الملكية. وفي مجال السيادة الدبلوماسية، يحرص الحزب تحت قيادته على التعبير عن الانخراط الموصول في الدينامية الدبلوماسية التي يقودها عاهل البلاد في ملف الوحدة الترابية، مثمناً النجاحات المتتالية لمقترح الحكم الذاتي وضمانات تنزيله بنجاح، ومتطلعاً لجعل الذكرى الخمسين للمسيرة الخضراء لحظة للحسم. هذا التموضع يرسل إشارة واضحة للقصر بأن الحركة الشعبية، حتى وهي في قلب المعارضة، تظل حزباً وفياً لثوابت الأمة، لا يمارس المزايدات في قضايا الأمن القومي والسيادة.
2. البراغماتية في تدبير الملف الأمازيغي والهوياتي
تعتبر الهوية الأمازيغية والعدالة المجالية من الأسس التأسيسية لحزب الحركة الشعبية، غير أن مقاربة أوزين لهذا الملف تتسم بنضج سياسي يبتعد عن الراديكالية. فهو يرفض بشدة سلوكيات الاصطدام بالدولة أو ما أسماه بـ “لي ذراع الدولة المغربية” عبر الاحتجاجات غير المحسوبة في الشارع، مؤكداً أن الاستراتيجية الأنجع هي العمل المؤسساتي المنظم مع الفاعل السياسي وتثمين المبادرات الرسمية.
كما يطالب أوزين بالانتقال من المقاربة الفولكلورية أو القطاعية الضيقة للأمازيغية (مثل الاكتفاء باقتناء معدات التشوير أو صناديق تحديث الإدارة) إلى مفهوم “الأمازيغية القابلة للحياة”؛ وهي أمازيغية الشغل والصحة والتعليم، بحيث تكون لغة حية تدرس بها العلوم الدقيقة كالجغرافيا والرياضيات. كما يربط أوزين بين تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية وبين “الحقوق المجالية” والتنمية الاقتصادية في الجبال والقرى. هذا الخطاب العقلاني والمؤسساتي يجعل منه محاوراً موثوقاً بالنسبة للدولة لحل إشكاليات الهوية دون التسبب في تصدعات اجتماعية.
3. المعارضة البناءة وتجنب “العدمية السياسية”
يحرص الحزب من خلال بيانات مكتبه السياسي على التأكيد أنه مكون أساسي في “المعارضة الوطنية المؤسساتية”، حيث يستخدم الآليات الرقابية الدستورية (لجان الاستطلاع، التقصي، ملتمس الرقابة) لمحاصرة عقم السياسات الحكومية، لكنه يرفض بشكل قاطع “حملات التشويش والمزايدات السياسوية”، بل ويؤكد الحزب دعمه لكل بادرة حكومية تحمل خيراً للوطن، مع التصدي لقرارات “صناعة اليأس والإحباط”. هذا الخطاب المتوازن يبدد مخاوف صناع القرار من أن يقود أوزين معارضة شعبوية هدامة، ويظهر جاهزيته للانتقال السلس من مقاعد المعارضة إلى قيادة السلطة التنفيذية بأفق وطني مسؤول.
ثالثاً: القراءة الدستورية وأعراف التشكيل الحكومي (تأويل الفصل 47)
للعبور نحو رئاسة الحكومة في 2026، يتعين على الأمين العام للحركة الشعبية استيعاب الهندسة الدستورية، وتحديداً الفصل 47 من دستور 2011، الذي ينص على أن الملك “يعين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها”.
تاريخياً، طبق هذا الفصل بتعيين رئيس من الحزب الحاصل على المرتبة الأولى من حيث عدد المقاعد. إلا أن الفقه الدستوري يطرح قراءات أوسع تعتمد على روح الدستور بدلاً من حرفية النص الجامدة. فالقواعد الدستورية ليست قواعد لحماية مصالح أحزاب بعينها، بل هي قواعد لضمان “السير العادي للمؤسسات الدستورية” وتدبير الشأن العام، والمشرع الدستوري استخدم تعبير “يتصدر”، ولم يستخدم صراحة عبارة “الحزب الحاصل على أكبر عدد من المقاعد”.
وإذا ما أسفرت استحقاقات 2026 عن تراجع كبير لأحزاب التحالف الحكومي (الأحرار، البام، الاستقلال) بسبب “التصويت العقابي”، وتصدر حزب معين بفارق ضئيل ولكنه عجز عن تشكيل تحالف أغلبي (حالة البلوكاج السياسي)، فإن التأويل الديمقراطي والمؤسساتي للفصل 47 يتيح للمؤسسة الملكية مساحة للتدخل لضمان سير المؤسسات، حيث يمكن حينها تكليف شخصية من حزب حقق مرتبة متقدمة واستطاع بناء توافقات واسعة. من هنا تبرز أهمية تصريحات أوزين الاستباقية التي أكد فيها أن نسبة التوافق بين مكونات المعارضة الحالية تصل إلى 80%، رغم بعض التباينات في ملفات كملتمس الرقابة. هذا التوافق المسبق مع أطياف المعارضة، بما فيها التنسيق المرتقب لأحزاب اليسار (فيدرالية اليسار والاشتراكي الموحد)، يجعل من الحركة الشعبية قطب جذب مهيأ لتشكيل “أغلبية بديلة” جاهزة، تطرح على طاولة القصر كحل دستوري وسياسي يناسب المرحلة الوطنية والجيوسياسية بكل استحقاقاتها الكبرى في حال تعثر الحزب الأول.
رابعاً: الاستراتيجية التواصلية وهيمنة الخطاب السياسي المبتكر
لمواجهة الآلة الإعلامية الضخمة لأحزاب الحكومة الحالية، ابتكر أوزين أسلوباً تواصلياً يعتمد على “الشعبوية الذكية” والتواجد المكثف في الفضاءات الرقمية المؤثرة.
1. اختراق الفضاء الرقمي والبودكاست
أدرك أوزين أن “جيل زد” (Gen Z) والكتلة الناخبة الشابة لا تستقي معلوماتها من النشرات الإخبارية التقليدية أو التجمعات الخطابية الكلاسيكية. لذلك، توجه بقوة نحو قنوات الإعلام الرقمي والبودكاست (مثل حلوله ضيفاً على بودكاست “نوافذ” و”زوايا الظل”). في هذه المنصات، يتحدث أوزين بلغة مباشرة كاسرا حواجز الصمت، حيث يطرح قضايا بالغة الحساسية كـ “الابتزاز السياسي”، و”فراقشية الإعلام” (الصحافة المرتزقة)، والفساد السياسي واختراق المال لمؤسسات الدولة. هذا الخطاب الجريء يخلق تماهياً عاطفيا وسياسيا مع فئات واسعة من المغاربة الساخطين على تدهور المشهد السياسي، ويعيد تقديم أوزين كصوت شجاع لا يخشى مواجهة اللوبيات المستفيدة من الريع.
2. المواجهة المباشرة و”شخصنة” النقد ضد أخنوش
يعتمد الخطاب الإعلامي للحركة الشعبية استراتيجية تفكيك السردية الحكومية بضرب مركز ثقلها، وهو شخص عزيز أخنوش. فبدلاً من النقد المؤسساتي الجاف، ينتقد أوزين غياب البعد الإنساني والسياسي في قرارات رئيس الحكومة، كما يشير إلى أن التعديلات الحكومية المتأخرة تعيد إنتاج نفس التركيبة الضعيفة الباحثة عن “حلول تقنوقراطية لقضايا وملفات ذات حساسية سياسية واجتماعية معقدة”، في تجاهل تام لرسائل الغضب المجتمعي النابعة من زلزال الحوز، والفيضانات، والحرائق، وهجرة الشباب. هذا الهجوم المركز يقلص من جاذبية حزب التجمع الوطني للأحرار ويجعل من أوزين المعارض الأول والأكثر شراسة في الساحة الإعلامية من بين جميع أحزاب المعارضة.
خامساً: الهندسة الانتخابية وتكتيكات اختراق المجالات الحيوية في 2026
لا يمكن تحويل الزخم الإعلامي إلى أغلبية برلمانية دون آلة انتخابية قوية ومتمددة، وتتوزع استراتيجية الحركة الشعبية في أفق 2026 على ثلاثة محاور ديموغرافية ومجالية حاسمة:
1. استقطاب الشباب وتوظيف التحفيزات القانونية
يمثل الشباب بين 15 و34 سنة حوالي 31% من سكان المغرب، غير أن 70% منهم يعبرون عن عدم ثقتهم في الأحزاب، ولا تتجاوز نسبة انخراطهم السياسي 2%، مفضلين الاحتجاج الرقمي والمبادرات المدنية. لكسر هذا العزوف، جاءت المنظومة الانتخابية لعام 2026 بمقتضيات ثورية دعمتها الحركة الشعبية بقوة؛ حيث تمنح الدولة تحفيزات مالية تغطي ما يصل إلى 75% من إجمالي مصاريف الحملات الانتخابية للمترشحين الشباب (أقل من 35 سنة) في اللوائح المحلية، شريطة التناوب بين الجنسين وتقديم تبريرات مالية دقيقة للمجلس الأعلى للحسابات (بسقف 500 ألف درهم لكل مترشح)، كما تم تبسيط الترشح للشباب المستقلين بإلغاء شرط توقيعات المنتخبين والاقتصار على الناخبين.
ولاستغلال هذه المحفزات، يتبنى الحزب استراتيجية بناء “الخطاب التعاقدي” الموجه للشباب. ويرى الأكاديميون وخبراء التواصل السياسي أن الشباب لم يعد يقبل “الخطاب الإنشائي والشعارات الزائفة”؛ فهم قادرون على كشف التناقضات، لذلك، يعمد الحزب إلى صياغة وعود واقعية قابلة للقياس والإنجاز تجيب بشكل صريح عن سؤال: “ماذا سيتغير في حياة الشاب إذا شارك في الانتخابات؟”. ويكون التركيز منصباً على جودة التعليم، العدالة المجالية، ومحاربة بطالة الشباب.
2. معركة المدن الكبرى (نموذج الدار البيضاء)
تاريخياً، ركزت الحركة الشعبية على العالم القروي والأمازيغي والجبلي كمخزون انتخابي استراتيجي، إلا أن الوصول لرئاسة الحكومة يتطلب اختراق قلاع الحواضر الكبرى المؤثرة بشدة في الخريطة الانتخابية، وفي الدار البيضاء، العاصمة الاقتصادية، حيث لا يتوفر الحزب سوى على مقعد يتيم حصل في انتخابات جزئية، بدأ الحزب مبكرا تطبيق تكتيك الهجوم التموقعي.
وتعتمد استراتيجية الحزب الحضريّة على ما يُعرف بـ “Headhunting” أو اقتناص الكفاءات والأعيان الانتخابيين الغاضبين والمقصيين من دواليب أحزاب الأغلبية (وخاصة حزبي الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار) بسبب “اختلالات منح التزكيات” وتهميش الطاقات المحلية. هذا التكتيك يوفر للحزب قدرات انتخابية وميدانية جاهزة تمتلك آليات حشد الأصوات دون الحاجة لاستنزاف الوقت والجهد في بناء قواعد جديدة من الصفر.
3. تحصين المعاقل المحافظة والقروية
بينما يهاجم الحزب الحواضر، لا يغفل تحصين مناطقه التقليدية من خلال لقاءات تواصلية جهوية كبرى (مثل لقاء “البديل الحركي رهان المستقبل” بجهة الرباط-سلا-القنيطرة، إقليم الخميسات، ومدينة إفران والأطلس معقل أوزين)، يعيد الحزب تذكير قواعده بأنه المدافع الأول عن التهميش المجالي. كما يجب أن يخاطب الحزب الناخب المحافظ في مختلف الأحزاب، الاستقلال والعدالة والتنمية، بل حتى في التنظيمات الإسلامية الاقتراحية، والذي لم يعد يجد فيها ما يمثل إرثه القيمي والحضاري، أو ما تطلق عليه الحركة الشعبية في أدبياتها بـ “تمغرابيت”، مفهوم يجمع كل مقومات التقاليد والإسلام واللغة والتراث والجغرافيا والإنسان المغربي، مقومات صنعت هذا الإنسان المغربي، وذلك من خلال تبني مواقف رافضة للتيارات “الهدامة” المستوردة والتطرف، والتمسك بالوسطية والاعتدال والمرجعية الدينية في قضايا حيوية كإصلاح مدونة الأسرة، بما يتماشى مع التوجهات الملكية.
4. إصلاح المنظومة القانونية للانتخابات ومحاربة الفساد
استباقاً لانتخابات 2026، قدم حزب الحركة الشعبية مذكرة قوية ومفصلة لوزارة الداخلية تتضمن اقتراحات لإصلاح المنظومة الانتخابية للحد من تأثير المال السياسي وتغول “الأعيان الماليين” لأحزاب السلطة، حيث تتقاطع هذه المطالب مع دعوات متزايدة لتطهير المناخ السياسي قبل 2026. وتبرز هنا تحذيرات مراقبي الشأن السياسي من ظاهرة تفريخ أحزاب جديدة عشية الانتخابات (مثل الإعلان عن تأسيس مشروع حزب “التضامن الشعبي”). ويرى الأكاديميون أن تأسيس الأحزاب لأهداف انتخابية بحتة، دون رصيد نضالي أو تأطير مجتمعي مستمر، يفرغ العمل السياسي من محتواه.
سادساً: الترتيبات الداخلية وبناء الترسانة الفكرية (مركز سنابل)
لكي يقنع محمد أوزين القصر والناخبين بأنه ليس مجرد معارض مفوه وشرس، بل قائد قادر على إنتاج سياسات عمومية بديلة، حيث كان لا بد من الانتقال بالحزب من هيكل يعتمد فقط على “الأعيان” والروابط القبلية، إلى “حزب برامج ونخبة” يعتمد على التحليل العلمي والبيانات. وقد تجلى هذا التوجه الاستراتيجي في العمل على إعادة هيكلة الفريق السياسي الاستشاري، واستقطاب بروفايلات سياسية وأكاديمية حصيفة وخبيرة في مستوى دقة وحساسية المرحلة بكل استحقاقاتها الكبرى.
الخلاصات الاستراتيجية وتوصيات هذه الورقة البحثية
يُظهر التحليل الاستقصائي أن محمد أوزين يقود مشروعاً متكاملاً لإعادة هندسة تموقع حزب الحركة الشعبية في الخريطة السياسية المغربية، مستفيداً من تراجع الرصيد الشعبي لحكومة التحالف الثلاثي وتفاقم الأزمات الاجتماعية. ولضمان تحويل هذا الزخم إلى فوز كبير في استحقاقات 2026، يتعين على القيادة الحركية التمسك بخريطة الطريق التالية:
تكريس صورة “المنقذ المؤسساتي” والابتعاد عن العدمية: على أوزين الحفاظ على التوازن الدقيق بين “الشعبوية الذكية” التي تحاكي آلام المواطنين (كما في أزمة عيد الأضحى والبطالة والصحافة والإعلام والمغرب العميق)، وبين “رصانة الدولة” التي تدافع بشراسة عن المؤسسات السيادية وتدعم الإجماع الوطني. هذا التموضع سيجعله البديل الآمن والموثوق به لدى القصر لتجاوز مرحلة احتقان ما بعد أخنوش، دون المخاطرة بدخول البلاد في نفق اللااستقرار.
استثمار الذخيرة الفكرية والسياسية في الخطاب اليومي: يجب على قيادة الحزب تحويل أوراق العمل التي يصدرها الحزب إلى لغة مبسطة تصل للشارع، كما يتوجب على أوزين وفريقه الاستشاري متعددة التخصصات والمهام إغراق الساحة بالأرقام المضادة والحلول التقنية، مما يعري ضعف السياسات الحكومية ويرسخ صورة “حكومة الظل” الجاهزة لتحمل المسؤولية.
تسريع الهندسة التحالفية وتأويل الفصل 47: يجب المضي قدما في إبرام مواثيق شرف وتحالفات قبلية مع أطياف المعارضة، ولما لا تنسيقيات اليسار. هذا الاصطفاف المسبق سيشكل كتلة حرجة تمنح المؤسسة الملكية مخرجاً دستورياً مريحاً لتعيين أوزين رئيساً للحكومة، في حال تصدر حزبه للانتخابات أو حتى حلوله في مرتبة متقدمة وتوافق الأغلبية المعارضة حوله، لتفادي أي فراغ مؤسساتي أو “بلوكاج” سياسي.
حماية مكتسبات المدن الكبرى بالتخليق الصارم: إن تكتيك “اصطياد” الكفاءات والأعيان من الأحزاب المنافسة أو من المستقلين، أكاديميين وسياسيين وغيرهم، لتعزيز التواجد في الدار البيضاء وغيرها من الحواضر الكبرى هو تكتيك فعال، غير أنه محفوف بمخاطر اختراق الحزب بوجوه مرتبطة بالفساد الانتخابي. لذا، يجب تفعيل آليات الرقابة داخل “اللجنة الوطنية للانتخابات”، لضمان أن تزكية الوافدين الجدد لن تضرب الرصيد الأخلاقي لخطاب أوزين المنادي بالشفافية.
توسيع الخطاب التعاقدي الرقمي الموجه لجيل “زد”: ينبغي ضخ التمويلات الحكومية المخصصة للحملات الانتخابية للشباب (75%) لإنتاج محتوى رقمي متطور على منصات البودكاست والفضاءات الافتراضية ووساذل التواصل الاجتماعي والإعلام الرقمي، يقدم وعوداً “قابلة للقياس” (Smart Goals) تهم التعليم الجيد والصحة الجيدة والمبادرة المقاولاتية والعدالة المجالية (بما فيها البعد التنموي المندمج للأمازيغية). إن استرجاع جزء بسيط من الكتلة الشبابية العازفة (70%) كفيل بقلب موازين القوى الانتخابية في شتنبر 2026.
إن عام 2026 لا يمثل مجرد محطة انتخابية عابرة لبلادنا، بل هو منعطف حاسم لتجديد التعاقد الاجتماعي بين الشعب والدولة تحت قيادة ملكية جديدة ومتجددة وحازمة في سياقات وطنية وجيوسياسية دقيقة وحرجة، وتحت مسؤولية حكومة سياسية وطنية ومنسجمة تضع مصالح الشعب والدولة فوق أي اعتبار. ومن أجل تحمل هذه المسؤولية الوطنية في هذه المرحلة التاريخية الدقيقة، أصبح لزاما على حزب الحركة الشعبية، بقيادة أمينه العام، محمد أوزين، إذا أراد قيادة الأغلبية القادمة بعد الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، التموقع لاقتناص هذه اللحظة التاريخية، شرط إعلان مبكر لتركيبة وهوية فريقه السياسي ببروفايلات تنفيذية ومهام في مستوى طموحات واستراتيجيات دولة، ولكتلته المرشحة للانتخابات التشريعية بمواصفات شخصيات نظيفة وأكفاء، واستمراره، كما يفعل بحنكة وحس ذكي، في إدارة التناقضات بين متطلبات الشارع الغاضب واشتراطات الدولة الحذرة، وضمان استقرار حزبه، والاستمرار في عرض نفسه كرجل دولة قادر على إنجاح التوافقات، وبعيد عن الصدامات ومرشح المغاربة قاطبة، لا مرشح حزب الحركة الشعبية وزعيم المعارضة.
دبلوماسي سابق
باحث في العلوم السياسية والجغرافيا السياسية