بن شماش يكتب: الجهوية تحت الاختبار.. كيف تنقذ الدولة مشاريعها حين يعجز حاملوها؟
يرى حكيم بنشماش، الأمين العام الأسبق لحزب الأصالة والمعاصرة والرئيس السابق لمجلس المستشارين، أن مخرجات المجلس الوزاري الأخيرة بشأن إطلاق جيل جديد من برامج التنمية الترابية لا يمكن اختزالها في مجرد ورش تقني، بل تعكس تحولا في مقاربة الدولة تجاه الجهوية. فالدولة، بحسب تحليله، لا تتراجع عن هذا الخيار الاستراتيجي، وإنما تعيد طرحه من زاوية أكثر صرامة، قائمة على مساءلة الحصيلة الفعلية ومدى انعكاسها على حياة المواطنين.
ويؤكد بنشماش، ضمن مقال له، حمل عنوان: “الجهوية تحت الاختبار: كيف تنقذ الدولة مشاريعها حين يعجز حاملوها؟”، أن ما يجري اليوم هو تصحيح موجّه لأداء النخب التي تدبر الشأن الترابي، وليس لمبدأ الجهوية في حد ذاته، مستندا إلى مؤشرات مقلقة كشفت عنها تقارير مؤسسات الرقابة، وعلى رأسها ضعف نسب إنجاز المشاريع الجهوية. ويخلص إلى أن هذا الوضع لم يعد مجرد اختلالات تقنية، بل يعكس أزمة في الكفاءة والقدرة على تحويل الاختصاصات والموارد إلى نتائج ملموسة.
وفي هذا السياق، يعتبر بنشماش أن تدخل الدولة بهذا الثقل يندرج ضمن ما يسميه “جراحة مؤسساتية ناعمة”، هدفها إعادة ضبط إيقاع التنفيذ وإنقاذ ورش استراتيجي من التعثر، في ظل ضغط الزمن التنموي وتزايد التحديات. لكنه في المقابل يثير سؤالا مركزيا حول المسؤولية والمحاسبة، داعيا إلى تحديد من تسبب في هذا التعثر، حفاظا على ما تبقى من الثقة في المؤسسات والعملية السياسية.
في ما يلي مقال حكيم بن شماش كاملا:
ليس من الصواب أن يتم اختزال مخرجات اجتماع المجلس الوزاري الأخير بخصوص “الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة” في كونه مجرد ورش تنموي جديد أو تعديل تقني في أدوات التدبير. وما يبدو أقرب إلى الصواب في تقديرنا أن الدولة، حين تعلن عن هذا الاختيار الكبير، ومن هذا المستوى، وفي هذا التوقيت، لا تضيف بندا جديدا إلى جدول السياسات العمومية، بل تكون بصدد قول شيء أبعد: هناك أوراش لم يعد مسموحا أن تستمر بالإيقاع نفسه، وهناك مجالات لم يعد مقبولا أن تظل رهينة البطء نفسه، وهناك اختيارات كبرى لم يعد جائزا أن تُترك للحامل نفسه بعد أن أبان عن محدوديته وعجزه.
ومن يتابع المسار العام للدولة في السنوات الأخيرة سيلاحظ أن الموضوع لا يتعلق بعودة مكثفة للمركز إلى قلب الجهوية ولا بنسف هادئ لما سبق إقراره دستوريا ومؤسساتيا كما يروج البعض. بالعكس، الدولة، فيما يبدو، ما تزال تشتغل من داخل الجهوية، وتقدم الجيل الجديد من البرامج الترابية باسمها، لا ضدها. لكن الفارق الحاسم هو أن الدولة أصبحت تتعامل مع الجهوية من زاوية سؤال أكثر صرامة: ماذا حققت فعلا؟ ماذا غيرت في حياة المواطنين؟ وهل ارتقت النخب التي هي في موقع تدبير مؤسساتها إلى مستوى ما تنتظره الدولة والمجتمع منها؟ والحال أننا لا نتحدث هنا عن ملف عادي في جدول السياسات العمومية، بل عن ورش دولتي كبير، حدد الاختيار الدستوري نفسه معناه العام، ثم رفعه الخطاب الملكي صراحة إلى مستوى “القضايا الكبرى” التي تتجاوز الزمن الحكومي والبرلماني. ومن ثم، فالسؤال لم يعد يتعلق بمن يملك وعدا انتخابيا أكثر بريقا، بل: من يملك أهلية حمل ورش تعتبره الدولة جزءا من تماسكها العام ومن أفقها الاستراتيجي؟
هنا تحديدا يظهر أن ما يتعرض للتصحيح اليوم ليس مبدأ الجهوية، بل النخب التي بيدها القرار العمومي. فما نقرأه عن مخرجات المجلس الوزاري يفيد أن الدولة لا تقول إن الخيار كان خاطئا، لكنها تقول، عمليا، إن جزءا من النخب التي تولت تدبير الجهات والمجالس المنتخبة لم يكن دائما في مستوى الرهان، لا من حيث الكفاءة، ولا من حيث سرعة الإنجاز، ولا من حيث القدرة على تحويل الموارد والاختصاصات الموضوعة تحت تصرفها إلى أثر ملموس يغير حياة المواطنين للأفضل، في سياق تشتد فيه ضغوط الداخل وتحديات الخارج معا.
وما نقوله هنا استنتاجا انطباعيا بدليل أن الوقائع نفسها تسنده. فالمجلس الأعلى للحسابات كان قد نبه، في تقييمه السابق لتفعيل الجهوية المتقدمة، إلى أعطاب بنيوية في التخطيط والبرمجة والتتبع والتنفيذ، وكشف أن الإنجاز المالي للمشاريع والبرامج المدرجة في برامج التنمية الجهوية للفترة 2015-2021 لم يتجاوز 11 % من الكلفة الإجمالية التوقعية. ثم جاء تقريره السنوي الأحدث برسم 2024-2025 ليؤكد، على سبيل المثال فقط، أن إنجاز المشاريع المندرجة ضمن عقود البرامج بين الدولة والجهات لم تتجاوز 9 % إلى غاية متم أبريل 2024.
ليست لدينا معطيات دقيقة جديدة بشأن ما إذا كان قد حصل تقدم كبير في الحصيلة التي وثقها المجلس الأعلى للحسابات في التقييم المشار إليه، ولكننا نكاد نجزم أن الوضع بقي على حاله في الإجمال، وهو ما يعني أن الأمر لم يعد يتعلق بمجرد صعوبات تقنية أو إدارية عابرة، بل بأزمة أعمق تتجسد في القدرة على الحمل والترجمة والتنفيذ. ومن هنا تحديدا نفهم لماذا عادت الدولة إلى قلب الورش بهذا الثقل، ليس لأنها غيرت قناعتها بالجهوية، بل لأنها لم تعد مطمئنة إلى أن الحوامل الحزبية والانتخابية القائمة قادرة وحدها على حمل ورش بهذا الوزن.
لقد جربنا أداء النخب الحزبية التي أمسكت بالمجالس الترابية منذ الشروع في تنزيل الجهوية المتقدمة غداة إقرار دستور 2011، والنتيجة لم تعد مجرد انطباع سياسي، بل حصيلة هزيلة وثقها المجلس الأعلى للحسابات، ومؤسسات أخرى، ويلمس المواطنون آثارها المباشرة في الميدان. ولذلك لا يستقيم، في ورش من هذا الحجم، أن نستمر في التجريب نفسه بالنخب نفسها وكأن الزمن الوطني مفتوح بلا حدود.
وما نراه أن هذا التدخل الثقيل للدولة في المجال ليس أمرا عابرا، بل يعكس اقتناعا بأن كلفة الانتظار لم تعد محتملة، وأن البطء لم يعد مجرد ضعف في الأداء، بل صار عبئا على البلاد وعلى الزمن الوطني نفسه.
وما يتوجب أن نستحضره في نقاشاتنا العمومية أن بلادنا توجد اليوم تحت ضغط بنية مخاطر مركبة: الإجهاد المائي، والتحولات المناخية، والفوارق المجالية، وضغط الشغل، وهشاشة بعض التوازنات الاجتماعية، واهتزاز المعنى، وعدم اليقين الخارجي، فضلا عن رهانات الأمن الغذائي والطاقي واستحقاقات سيادية كبرى تفرض وتيرة أعلى في الإنجاز، خاصة في أفق 2030. وفي مثل هذا السياق، لا يصبح التعثر الترابي مجرد خلل إداري محلي، بل يتحول إلى كلفة وطنية مباشرة، لأن المجال نفسه صار أحد الميادين التي يقاس فيها نجاح الدولة أو تعثرها. وهنا بالضبط تتحدد المسألة في جوهرها: ضيق الزمن الوطني المتاح للبلد لم يعد يسمح بمضاعفة كلفة التدبير الحزبي التجريبي في ملف تعتبره الدولة، وهي محقة، من الأوراش الكبرى.
ومن هذه الزاوية، لا يبدو ما جرى عودة بسيطة إلى المركز بمعناه التقليدي، بل صعودا للمركز الترابي-الإداري بوصفه الحلقة التي قررت الدولة أنها الأقدر، في هذه المرحلة، على التجميع والتنسيق والتتبع وضبط الإيقاع. لذلك جاء التصور الجديد الذي قدمه وزير الداخلية واضحا: لجان محلية برئاسة العمال، وتجميع جهوي تحت إشراف الولاة، ولجنة وطنية برئاسة رئيس الحكومة للتنسيق، مع آليات للتدقيق والتقييم والتتبع الرقمي، وتحويل الوكالات الجهوية لتنفيذ المشاريع إلى شركات مساهمة، ضمن غلاف مالي يناهز 210 مليار درهم على مدى ثماني سنوات. وهذا لا يعكس مجرد تحسين في التنسيق، بل إعادة دفع بالفاعل السيادي وتقوية حضوره داخل قلب هذا الورش الكبير نفسه.
هذه إذن ليست مجرد إعادة ترتيب تقنية فيما نعتقد. إنها، في التوصيف الأدق، جراحة سيادية مؤسساتية ناعمة: هي جراحة لأن الدولة تدخلت لإعادة ترتيب من يقود، ومن يشرف، ومن يضمن التنفيذ. وهي سيادية لأن الأمر لا يتعلق بقطاع عادي، بل بورش تعتبره الدولة أحد أوراشها الاستراتيجية الكبرى وجزءا من توازنها العام ومن صورتها ومن قدرتها على الوفاء بالتزاماتها تجاه المجتمع. وهي مؤسساتية لأنها تتم من داخل الجهوية نفسها. وهي ناعمة لأنها لا تلغي المؤسسات المنتخبة على علاتها، ولا تذهب فورا إلى العقاب، بل تتدخل لإنقاذ المشروع من التعثر وإعادة ضبط شروط حمله والدفع به إلى الأمام.
ومن يقرأ الدولة المغربية بعين خبرت كيف تدار الأولويات يعرف أن هذا الأسلوب ليس جديدا ولا استثناء. لقد رأيناه في ملفات أخرى حين شعرت الدولة أن رهانات معينة لم تعد تتحمل التباطؤ أو التردد. رأيناه في إعادة تشكيل القطيع الوطني مثلا، حين رجحت الدولة أدواتها الميدانية المباشرة، ليس لأن الموضوع فلاحي فقط، بل لأن حساسيته الاجتماعية والاقتصادية فرضت اللجوء إلى الحلقة الأكثر قدرة على الضبط والسرعة. ولذلك كان من الضروري أن يتكرر هذا المنطق نفسه في المجال الترابي.
ولنا أن نلاحظ أن وراء هذا المنطق فكرة سديدة طال انتظار تفعيلها. فحين تصبح كلفة عجز النخبة الحزبية وهي تمسك بالقرار العمومي مرتفعة على الدولة والمجتمع معا، يتوجب أن تتقدم أدوات الدولة التي تملك القدرة والتصميم على التعويض والفعل والانجاز.
وإذا كان ما يثيره البعض في النقاش العمومي من أن هذا الاختيار سيضيق المجال البرامجي التقليدي الذي كانت الأحزاب تذهب به إلى المواطنين صحيحا إلى حد ما، لكن ما ينبغي التشديد عليه هنا هو أن سؤال جدوى الانتخابات والتنافس الحزبي لم يولد مع هذا القرار وحده، ولم تصنعه الدولة اليوم من فراغ. فهذا السؤال مطروح منذ مدة، لأن النخب المتحكمة في الأحزاب ساهمت هي نفسها في إفراغ السياسة تدريجيا من معناها، وأبانت عن بؤس شديد في الأداء والخطاب، وعن تهافت مفضوح في الاختيار والممارسة، حتى تعرت بالكامل أمام المغاربة. ثم جاء هذا الاختيار بالذات ليزيد السؤال حدة، ليس لأنه ملف عادي يمكن تركه للتجريب الحزبي المفتوح، بل لأنه ورش دولتي كبير، ولأنه جاء بعد حصيلة هزيلة جربنا فيها أداء النخب الحزبية في تدبير المجالس الترابية، وصار ضيق الزمن الوطني لا يسمح، كما قلنا، بمضاعفة كلفة التجريب نفسه بالنخب نفسها. ولذلك لم يعد السؤال المركزي من يرفع البرنامج الأكبر أو الوعد الأوسع؟ بل من يملك النخب التي تستحق حمل ما حُسم، ومن يملك من النزاهة والكفاءة والجدية و ” المعقول” ما يمنع تحوله إلى مجرد ملحق إداري داخل ورش كانت فيه الدولة محقة حين عمدت إلى تحريره من التنزيل المرتبك ومن الحسابات الضيقة لمن أسندت له أمانة تدبيره.
لكن هذا كله لا يعفينا من قول ما ينتظره كثير من المغاربة في العمق. فالمجتمع لا يريد فقط أن تنقذ الدولة مشاريعها، بل يريد أيضا أن يعرف من الذي أوصل هذه المشاريع إلى لحظة استوجبت الحاجة إلى تدخل الدولة للإنقاذ. يريد أن يعرف من الذي بدد الوقت، ومن الذي استنزف الفرص، ومن الذي أفرغ بعض المؤسسات المنتخبة من معناها التنموي وحولها، في حالات كثيرة، إلى فضاءات للنفوذ والحسابات الضيقة وإعادة تدوير الرداءة. هنا لا يصبح مطلب المحاسبة نزوة أخلاقية أو رغبة في التشهير، بل تفعيلا لمقتضى دستوري وشرطا سياسيا وتربويا لحماية ما تبقى من الثقة في التمثيل، وفي السياسة، وفي الجهوية، وفي الدولة نفسها.
ومن هنا نقدر أن هذا الملف يستدعي، بالضرورة، ما يمكن أن نسميه “درس الحسيمة”. ففي سنة 2017 لم تكتف الدولة بتسجيل الاختلالات في برنامج “الحسيمة منارة المتوسط”، بل انتقلت إلى ترتيب الجزاءات عن التقصير في تحمل المسؤوليات واتخذت، من جهة، قرارات إعفاء وعزل وزراء ومسؤولين سامين، ومن جهة ثانية، قرارات تبليغ “عدم رضا جلالة الملك” تجاه آخرين، مع التشديد على عدم إسناد أي مهمة رسمية لهم مستقبلا. حدث كل ذلك بعد أن تم تثبيت مسؤولياتهم فيما عرفه البرنامج المشار اليه من تعثر وبطء في الترجمة والتنزيل على أثر تحريات وتحقيقات قام به المجلس الأعلى للحسابات بتكليف من الملك. (بلاغ الديوان الملكي بتاريخ 26أكتوبر 2017)
كانت تلك لحظة جراحة سيادية صلبة. أما اليوم فنحن أمام جراحة ناعمة واستباقية؛ استوجبت من الدولة أن تتحرك قبل أن يبلغ التعثر والعجز حدا يستدعي العقاب المباشر. صحيح أن الفرق بين الحالتين قد يكون قائما، ربما بسبب اختلاف السياقات، لكن أثر المقارنة بينهما لا يزول. بل على العكس، هو ما يجعل السؤال أكثر إلحاحا: لماذا توقفت المساءلة في ملف الجهوية عند حدود التقييم العام، ولم تنتقل، بالقدر نفسه من الوضوح والحزم، إلى كشف المسؤوليات السياسية والتدبيرية الدقيقة داخل النخب الحزبية التي أمسكت بالمجالس والقرار الترابي؟ فإذا كانت الأعطاب بالجسامة التي رصدها المجلس الأعلى للحسابات، فمن الصعب إقناع المواطنين بأنها مجرد صعوبات تقنية أو إكراهات موضوعية. هناك، على الأرجح، ما هو أعمق: ضعف في الكفاءة، ورداءة في الاختيار، وربما أيضا استخفاف بالمسؤولية واستهتار بالأمانة.
والواقع أن هذا هو لب المسألة كلها. فحين تضطر الدولة، مرة بعد مرة، إلى أن تتدخل لإنقاذ أوراشها من حامليها، فهذا يعني أن الخلل لم يعد ثانويا داخل الحقل الحزبي والتمثيلي، بل صار يمس قدرة الدولة نفسها على الوفاء بوعودها وعلى الحفاظ على إيقاعها. ليست الأزمة، في مثل هذه الحالات، أزمة نقص في الرؤية، بل أزمة نقص وأعطاب مستشرية في المؤسسات السياسية والحزبية التي يفترض أن تترجم تلك الرؤية، أو على وجه الدقة، نقص في أهلية الأشخاص الذين تحكموا في تلك المؤسسات بالأساليب التي نعرفها جميعا. وهذا أخطر، لأنه يجعل الفجوة تكبر وتتفاقم بين ما تريده الدولة للبلاد ولصالح العباد، وبين ما ينتجه هؤلاء على الأرض.
من هنا أيضا يطرح السؤال السياسي الأكثر إحراجا: بأي وجه ستتجه القيادات المتحكمة في الأحزاب المعنية، في الدرجة الأولى، بهذه الجراحة السيادية المؤسساتية الناعمة إلى الانتخابات المقبلة؟ هل بمقدورها أن تستوعب الرسالة؟ هل ستستخلص العبر والدروس؟ هل تدرك أن المجلس الوزاري الأخير لم يكن مجرد لحظة تقنية، بل رسالة سياسية ثقيلة وعميقة تقول إن زمن التساهل مع أعطال السياسة وأعطاب الأحزاب قد ضاق واستُنفذ؟. إذا كانت تريد أن تقنع المغاربة بأنها التقطت هذه الرسالة، فعليها أن تقدم البرهان اليوم، وليس غدا: في نوعية النخب التي ستختارها، في طريقة التحضير للاستحقاقات المقبلة، وفي طبيعة العروض السياسية التي ستقدمها للناخبين. أما إذا عادت إلى الناخبين بالعقلية نفسها، وبالوجوه نفسها، وبالوعود نفسها، وبالأدوات نفسها، وبذهنية الغنيمة التي انكشفت نفسها، فإنها لن تكون فقط قد أخطأت في قراءة ما وقع، بل ستكون قد أكدت أنها لا تزال جزءا من المشكل، بل الجزء الأهم من المشكل الذي جعل هذا التدخل السيادي ضروريا.
أختم بالإفصاح عن قناعتي بأن الدولة، إذا كانت قد باشرت جراحة ما تزال ناعمة، فإن الرهان كله، والأمل كله، هو أن تصل الرسالة قبل أن تجد البلاد نفسها، مرة أخرى، أمام لحظة لا يصبح فيها الإصلاح الهادئ كافيا، ولا يصبح إنقاذ المشروع ممكنا من دون الانتقال إلى مساءلة مباشرة وصارمة، وربما إلى جراحة سيادية أعمق.