زيارة البابا إلى الجزائر: رمزية روحية أم تلميع سياسي؟

0

في خطوة تُقدَّم رسمياً على أنها “زيارة روحية” لتعزيز الحوار، يستقبل النظام الجزائري ابتداءً من يوم الإثنين البابا ليون الرابع عشر في زيارة تستمر ثلاثة أيام، غير أن قراءة أعمق للسياق تكشف أبعاداً سياسية وإعلامية تتجاوز بكثير الطابع الديني المعلن.

تبدأ الزيارة من العاصمة الجزائر، حيث يلتقي البابا بالرئيس عبد المجيد تبون، في مشهد يعكس سعي السلطة إلى توظيف الحدث لتلميع صورتها دولياً، خاصة في ظل الانتقادات المستمرة لسجلها في الحريات السياسية وحقوق الإنسان. فبدلاً من أن تكون الزيارة فرصة للنقاش الحقيقي حول التعددية والانفتاح، تبدو أقرب إلى عرض بروتوكولي محسوب بعناية.دورات تدريب سياسي

اختيار برنامج الزيارة يعزز هذا الانطباع؛ إذ يتضمن المرور على “مقام الشهيد” وإلقاء خطاب رمزي، دون أي انفتاح على تفاعل شعبي واسع، في خطوة تكرّس الطابع المغلق الذي يميز النظام. فحتى اللقاءات الجماهيرية، التي تُعد سمة أساسية في زيارات البابا إلى دول أخرى، تم تقليصها بشكل لافت، ما يعكس حساسية السلطة تجاه أي تجمعات غير مُتحكم فيها.

كما أن زيارة مواقع دينية مثل مسجد الجزائر الكبير وكنيسة “السيدة الإفريقية” تُقدَّم كدليل على التسامح الديني، لكن منتقدين يرون فيها محاولة لتسويق صورة “التعايش” في وقت لا تزال فيه القيود مفروضة على بعض الأنشطة الدينية، خصوصاً خارج الإطار الذي تراقبه الدولة.

الانتقال إلى مدينة عنابة لزيارة ضريح القديس أوغسطينوس يُضفي بعداً تاريخياً وثقافياً، لكنه لا يخفي حقيقة أن النظام يسعى لاستثمار الرمزية الدينية والحضارية للجزائر في خدمة خطاب سياسي موجه للخارج، أكثر من كونه انعكاساً لواقع داخلي متوازن.

اللافت أيضاً أن هذه الزيارة تأتي بعد لقاء سابق بين تبون والبابا في الفاتيكان، ما يشير إلى رغبة واضحة من السلطة الجزائرية في بناء قنوات تأثير دولية عبر الرموز الدينية، خاصة في ظل ما تعانيه البلاد من صورة دولية معقدة منذ سنوات.

ورغم حديث المسؤولين الكنسيين عن “السلام” و”الأخوة الإنسانية”، فإن هذا الخطاب يصطدم بواقع سياسي داخلي يتسم بانغلاق المجال العام وضعف التعددية السياسية. لذلك يرى مراقبون أن الزيارة، بدل أن تكون حدثاً روحياً خالصاً، تُستغل كأداة دبلوماسية ناعمة لإعادة تسويق النظام.

في النهاية، قد تمنح زيارة البابا لحظة رمزية للجزائر على الساحة الدولية، لكنها تطرح في الوقت نفسه تساؤلات جوهرية: هل يعكس هذا الحدث تحولاً حقيقياً نحو الانفتاح، أم أنه مجرد واجهة إعلامية تخفي استمرار نفس السياسات؟