باب دكالة كـ”حائط مبكى” بمراكش: صراع الرموز وإعادة تشكيل الفضاء العام الديني
بقلم
د. هشام بوقشوش / باحث في علم الاجتماع
لا يمكن مقاربة واقعة أداء طقس تعبدي يهودي بمحاذاة سور باب دكالة بمراكش بوصفها حدثا معزولا أو مجرد ممارسة دينية عابرة. إنها واقعة مكثفة دلاليا، تتقاطع فيها البنية الرمزية للفضاء العام مع تحولات الحقل السياسي، ومع إعادة ترتيب مواقع الفاعلين داخل ما يمكن تسميته بـ”سوق الشرعية الرمزية”.
من منظور سوسيولوجيا الفضاء العام، لا يفهم الشارع أو الساحة أو الأسوار التاريخية باعتبارها أوعية محايدة، بل باعتبارها نتاجا لتراكم تاريخي من الهيمنة الرمزية. الفضاء الحضري المغربي تشكّل تاريخيا حول مركزية إسلامية علنية، كثيفة ومؤطرة مؤسساتيا، في مقابل حضور ديني لليهود والمسيحيين كان منظما داخل مجالات مخصوصة (الملاح، الكنيسة، المقابر). لم يكن الأمر إقصاء بقدر ما كان توزيعا مجاليا للرموز يحفظ توازن النسق الاجتماعي. هذا التوزيع أنتج ما يسميه التحليل السوسيولوجي “أفق توقعات” مستقر: المسلم يمارس طقسه علنا بوصفه التعبير الغالب، وغير المسلم يمارس طقسه في إطار مؤسسي محدد.
حين ينتقل طقس غير مألوف إلى الفضاء المفتوح، فإننا أمام إعادة توزيع للرأسمال الرمزي داخل المجال العمومي. هنا تتولد الصدمة لا من الفعل التعبدي في ذاته، بل من كونه يعيد مساءلة البنية الضمنية للهيمنة الرمزية. فالهيمنة، وفق المنظور النقدي الحديث، لا تقوم فقط على السيطرة المادية، بل على ما يعتبر “طبيعيا” و”بديهيا” داخل الوعي الجماعي. ما حدث قرب السور التاريخي هو اهتزاز لهذه البداهة.
الوجود اليهودي في المغرب حقيقة تاريخية راسخة، في مدن كـفاس والصويرة ومراكش. غير أن تحول هذا الوجود من صيغة “الاندماج الصامت” إلى “الحضور المُبرَز” في الفضاء العام يتزامن مع سياق سياسي إقليمي موسوم بإعادة تطبيع العلاقات مع إسرائيل. هنا يتقاطع المحلي بالجيوسياسي، ويعاد تحميل الممارسة الدينية بدلالات تتجاوز بعدها الروحي. فالفاعلون الاجتماعيون لا يقرأون الرموز في فراغ؛ إنهم يؤولونها عبر مخزونهم من الذاكرة والصراع والصور المتداولة.
اختيار باب دكالة ليس محايداً من الناحية السيميولوجية. الأسوار التاريخية تمثل، في المخيال الحضري، حدود الجماعة واستمراريتها. أداء طقس بمحاذاتها يحوّل الجدار من عنصر عمراني إلى علامة سياسية محتملة. في زمن الصورة الرقمية والانتشار الفوري، يتحول المشهد إلى نص بصري قابل لإعادة التدوير والتأويل، بما يعمق الاستقطاب.
من جهة أخرى، يفتح الحدث سؤال حياد الفضاء العام. الخطاب الحداثي الليبرالي يفترض حياد الدولة إزاء الأديان، لكنه لا يعني حياد المجال الرمزي تاريخيا. في السياق المغربي، المجال العام متشبع بإرث إسلامي كثيف، ليس فقط قانونيا بل وجدانيا. لذلك، فإن الدعوة إلى حياد مطلق قد تفهم اجتماعيا بوصفها مسعى لتفكيك الذاكرة المهيمنة، لا بوصفها ضمانة للتعدد. هنا ينشأ توتر بين منطقين: منطق الاعتراف بالتعدد كقيمة دستورية، ومنطق حماية الهوية الغالبة كرصيد تاريخي.
التحليل النقدي الحديث يحذر من الانزلاق إلى ثنائية “استفزاز/مؤامرة” مقابل “تعايش/انفتاح”. فالمجتمع ليس كتلة واحدة، بل فضاء تفاعلي تتصارع داخله تمثلات متعددة: فئة ترى في الحدث تعبيرا طبيعيا عن تنوع تاريخي، وأخرى تراه مؤشرا على إعادة تموضع سياسي يمس الرموز الإسلامية في الفضاء العام. هذا التعدد في التأويل يكشف أن الهوية ليست معطى ثابتا، بل سيرورة تفاوض دائم.
استشرافيا، نحن أمام مرحلة إعادة تعريف دقيقة لحدود التعبير الديني في المجال العمومي. كل ممارسة رمزية ستقاس بميزانين: ميزان الشرعية القانونية، وميزان القبول الاجتماعي. إذا لم يدار هذا التوتر بوعي مؤسساتي وتواصل شفاف، فقد يتحول كل حدث مشابه إلى شرارة استقطاب، حيث يقرأ الدين عبر عدسة الصراع الجيوسياسي، ويختزل التعدد في معادلة صفرية.
إن واقعة باب دكالة تكشف، في العمق، هشاشة التوازن بين الذاكرة الإسلامية الغالبة والاعتراف الرسمي بالتعدد العبري، في سياق إقليمي متوتر. الرهان السوسيولوجي ليس في منع الطقوس أو إطلاقها دون قيد، بل في بناء تعاقد رمزي واضح يحدد كيف يمارس التعدد داخل فضاء مشبع بتاريخ ديني محدد، دون أن يتحول ذلك إلى صراع حول من يملك الحق في تعريف هوية المجال العام.
بهذا المعنى، الحدث ليس نهاية معركة ولا بدايتها، بل مؤشر على انتقال المجتمع إلى طور جديد من التفاوض حول رموزه وحدودها، في زمن تتقاطع فيه السياسة بالدين، والذاكرة بالفضاء، والصورة بالسلطة الرمزية.