تقرير مرصد العمل الحكومي: 32 مليون مؤمن صحيا وقفرة استثمارية “قياسية” تتجاوز 65%
يكشف تقرير حديث لمرصد العمل الحكومي عن حصيلة متباينة لأداء الحكومة خلال ولايتها، تجمع بين تحقيق عدد من الأوراش البنيوية الكبرى، مقابل استمرار اختلالات هيكلية تحدّ من الأثر المباشر لهذه الإصلاحات على حياة المواطنين، خاصة في ما يتعلق بالتشغيل والقدرة الشرائية.
تقدم لافت في تعميم الحماية الاجتماعية
يبرز ورش تعميم الحماية الاجتماعية كأحد أهم إنجازات الولاية الحكومية، حيث انتقل من مقاربة برامج متفرقة إلى بناء منظومة وطنية متكاملة ترتكز على توسيع التغطية الصحية وإرساء الدعم الاجتماعي المباشر.
وبحسب المعطيات الواردة في التقرير، الذي توصلت “العمق المغربي” بنسخة منه، تجاوز عدد المستفيدين من التأمين الإجباري الأساسي عن المرض 32 مليون شخص سنة 2025، أي ما يقارب 88 في المئة من الساكنة، مع إدماج الفئات الهشة وتوسيع التغطية لتشمل العمال غير الأجراء.
كما تم إطلاق نظام الدعم الاجتماعي المباشر لفائدة حوالي 3.9 ملايين أسرة، أي أكثر من 12.5 مليون مواطن، عبر تحويلات مالية شهرية تتراوح بين 500 و1350 درهما، وفق معايير مرتبطة بتركيبة الأسرة ووضعيتها الاجتماعية.
ويرى التقرير أن هذا التحول ساهم في الانتقال نحو نموذج دخل اجتماعي أكثر انتظاما واستهدافا، خاصة لفائدة الفئات الهشة.
الاستثمار العمومي يحافظ على زخمه
على صعيد الاستثمار، سجلت الحكومة ارتفاعا ملحوظا في حجم الاستثمار العمومي، الذي انتقل من نحو 230 مليار درهم قبل بداية الولاية إلى 380 مليار درهم مرتقبة سنة 2026، بزيادة تناهز 65 في المئة.
وقد توزعت هذه الاستثمارات بين المؤسسات العمومية، والميزانية العامة، وصناديق الاستثمار، والجماعات الترابية، في إطار مقاربة متعددة الفاعلين.
وساهم هذا التوجه في تمويل مشاريع كبرى في البنيات التحتية، تشمل الطرق السيارة، والسكك الحديدية، والموانئ، والمطارات، إلى جانب مشاريع استراتيجية في مجالات الماء والطاقة.
غير أن التقرير يسجل أن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في حجم الاستثمار، بل في قدرته على خلق فرص شغل مستدامة وتحقيق أثر ملموس على النمو الاقتصادي.
تحسن مناخ الأعمال
في ما يتعلق بالاستثمار الخاص، يشير التقرير إلى أن اعتماد الميثاق الجديد للاستثمار شكل نقطة تحول مهمة، من خلال وضع أهداف طموحة لتعبئة 550 مليار درهم وخلق 500 ألف منصب شغل في أفق 2026.
كما ساهمت الإصلاحات المرتبطة بتبسيط المساطر وتعزيز دور المراكز الجهوية للاستثمار في تحسين مناخ الأعمال وتقليص آجال معالجة الملفات.
وسجلت المملكة مستويات قياسية في الاستثمارات الأجنبية المباشرة، بلغت 56.1 مليار درهم سنة 2025، إلى جانب المصادقة على مشاريع استثمارية كبرى بقيمة تفوق 86 مليار درهم خلال 2026، ما يعكس تحسنا في جاذبية الاقتصاد الوطني.
على المستوى التشريعي، عرفت الولاية زخما ملحوظا في إصدار القوانين المنظمة للإصلاحات الكبرى، سواء في المجال الاقتصادي أو الاجتماعي أو القضائي.
ومن أبرز هذه النصوص، القانون الإطار المتعلق بإصلاح المؤسسات والمقاولات العمومية، والقوانين المؤطرة لتعميم الحماية الاجتماعية، إلى جانب القانون التنظيمي للإضراب، الذي ظل معلقا لسنوات طويلة.
كما شملت الإصلاحات تحديث الإدارة ورقمنة الخدمات العمومية وتبسيط المساطر، في إطار تعزيز الحكامة وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين والمقاولات.
استقرار نسبي للتوازنات الماكرو اقتصادية
رغم تعدد الصدمات، من جفاف وارتفاع أسعار الطاقة والتضخم العالمي، تمكنت الحكومة من الحفاظ على توازنات الاقتصاد الكلي، مع تسجيل تراجع تدريجي في عجز الميزانية إلى نحو 3 في المئة متوقع سنة 2026.
كما حافظت الاحتياطيات من العملة الصعبة على مستوى مريح، مدعومة بعائدات السياحة وتحويلات المغاربة المقيمين بالخارج وصادرات القطاعات الصناعية.
وساهم تراجع التضخم واستقرار السياسة النقدية في تحسين بيئة الاستثمار، مع توقعات بنمو اقتصادي يتراوح بين 4.8 و5.2 في المئة خلال 2026.
رغم هذه المؤشرات الإيجابية، يؤكد التقرير أن عددا من الاختلالات ما يزال قائما، خاصة في ما يتعلق بضعف خلق فرص الشغل واستمرار الضغط على القدرة الشرائية.
كما يشير إلى أن استقرار التوازنات الماكرو اقتصادية تحقق أساسا بفضل تحسن المداخيل الجبائية واستمرار الاستثمار العمومي، أكثر مما يعكس تحولا هيكليا عميقا في نموذج النمو.
ويخلص التقرير إلى أن التحدي الأساسي أمام الحكومة يتمثل في تحويل هذه الإنجازات إلى أثر مباشر وملموس على حياة المواطنين، عبر تسريع وتيرة التشغيل، وتحسين الدخل، وضمان عدالة مجالية أكبر، حتى لا تبقى الإصلاحات في حدود المؤشرات المالية دون انعكاس فعلي على الواقع الاجتماعي