الطبقة المتوسطة في المغرب: من صمام أمان إلى فئة مهددة بالانكماش
افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
طالب باحث في العلوم السياسية والدبلوماسية
لطالما اعتبرت الطبقة المتوسطة في المغرب العمود الفقري للاستقرار الاجتماعي، وصمام الأمان الذي يوازن بين الفئات، ويمنح المجتمع نوعا من التماسك والاعتدال. فهي الفئة التي تشتغل، وتستهلك، وتؤطر، وتحلم بالصعود الاجتماعي. غير أن هذا التوازن الدقيق يبدو اليوم مهددا بشكل غير مسبوق، في ظل تحولات اقتصادية وضغوط معيشية متزايدة.
خلال السنوات الأخيرة، لم يعد الحديث عن الطبقة المتوسطة مرتبطا بالاستقرار، بل أصبح مشوبا بالقلق. ارتفاع الأسعار، تضخم تكاليف المعيشة، وتزايد الأعباء اليومية، كلها عوامل ساهمت في إضعاف قدرتها الشرائية، ودفعها تدريجيا نحو هامش الهشاشة. لم تعد هذه الفئة قادرة على الادخار كما في السابق، ولا على الحفاظ على نفس مستوى العيش، بل أصبحت منشغلة بتدبير الأساسيات.
المفارقة اليوم أن هذه الفئة لا تُصنف ضمن الفئات الفقيرة التي تستفيد من الدعم المباشر، ولا هي ضمن الفئات الميسورة التي تستطيع امتصاص الصدمات. إنها تقف في منطقة رمادية، تتحمل العبء الأكبر دون أن تحظى بالاهتمام الكافي. وهو ما يجعل تآكلها يتم بصمت، لكنه يحمل في طياته آثارا عميقة على التوازن الاجتماعي.
ولا يمكن فصل هذا الوضع عن السياسات العمومية المعتمدة خلال المرحلة الأخيرة. فبالرغم من بعض المبادرات والإصلاحات، فإن الإحساس العام لدى هذه الفئة هو أنها لم تكن في صلب الأولويات. بل إن العديد من القرارات، سواء المرتبطة بالأسعار أو بالضرائب غير المباشرة أو بتكلفة الخدمات، ساهمت بشكل مباشر أو غير مباشر في زيادة الضغط عليها. وهو ما يطرح تساؤلا مشروعا حول موقع الطبقة المتوسطة في السياسات الحالية، وحول مدى وعي الفاعل الحكومي بدورها المحوري.
إن التحدي اليوم لا يكمن فقط في دعم الفئات الهشة، بل أيضا في حماية الطبقة المتوسطة من الانزلاق، لأنها تمثل ركيزة أساسية لأي توازن اقتصادي واجتماعي. فكلما ضعفت هذه الفئة، اختل ميزان الاستهلاك، وتراجع الإحساس بالأمان الاجتماعي، وارتفعت مستويات التوتر.
وفي المقابل، فإن الحفاظ على هذه الطبقة لا يتطلب فقط إجراءات ظرفية، بل رؤية شاملة تعيد الاعتبار لقدرتها الشرائية، وتخفف عنها الأعباء، وتمنحها آفاقا حقيقية للاستقرار والتطور. فالمجتمعات القوية لا تُبنى فقط على محاربة الفقر، بل أيضا على تقوية الفئات التي تشكل قلبها النابض.
في النهاية، قد لا يكون انهيار الطبقة المتوسطة حدثا مفاجئا، بل مسارا تدريجيا يتطلب الانتباه قبل فوات الأوان. فالسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط: كيف نحمي هذه الفئة؟ بل أيضا: هل ندرك فعلا حجم الرهان المرتبط بها؟