حين تتحول الشاشة إلى مرآة مشوهة: من فوضى “الفراقشية” إلى إعلام التفاهة
إفتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
طالب باحث في العلوم السياسية والدبلوماسية
في زمن اختلطت فيه المهنية بالابتزاز، برزت فئة من “فراقشية الإعلام” التي لم تجد لنفسها مكانا إلا في تتبع الفضائح، وتضخيمها، والاتجار بها على حساب القيم. إعلام لا يتغذى إلا على السقوط، ولا يعيش إلا على الإثارة، يجعل من التشهير أسلوبا، ومن تشويه صورة المغاربة مادة يومية. هذا النمط، الذي يضرب في العمق ما تبقى من أخلاقيات المهنة، لا يكتفي بنقل الواقع، بل يعيد تشكيله بصورة أكثر قتامة، حيث تصبح التفاهة هي القاعدة، والانحطاط هو العنوان.
ولعل ما تابعناه مؤخرا في برنامج “لالة العروسة” يعكس امتدادا لهذا المنطق، وإن اختلفت الوسائل. فحين يتحول برنامج يُفترض فيه الاحتفاء بالأسرة المغربية إلى فضاء يُعرض فيه العنف، وتُتداول فيه عبارات تمس بصورة المرأة، فإننا لا نكون أمام مجرد انزلاق عابر، بل أمام اختلال في الرؤية، وانحراف في الرسالة.
الإعلام، في جوهره، ليس مجرد وسيلة للفرجة، بل هو فاعل أساسي في تشكيل الوعي الجماعي. وحين ينخرط في منطق الإثارة الرخيصة، فإنه يساهم في ترسيخ سلوكيات ومفاهيم قد تصبح مع الوقت عادية في نظر المتلقي. وهنا تكمن الخطورة: في تحويل الاستثناء إلى قاعدة، وفي تطبيع ما كان مرفوضا.
وإذا كان السعي وراء نسب المشاهدة مفهوما في سياق المنافسة، فإن ذلك لا يمكن أن يكون مبررا لتجاوز الخطوط الحمراء. فالقيم المجتمعية ليست مادة للمتاجرة، ولا ينبغي أن تُختزل في مشاهد صادمة تُستعمل لجذب الانتباه.
الأكثر إثارة للقلق أن هذا الانحدار لا يقتصر على بعض المنصات غير المهنية، بل بدأ يجد طريقه إلى الإعلام الذي يُفترض فيه أن يكون أكثر التزاما، بما في ذلك الإعلام العمومي. وهو ما يطرح سؤالا حقيقيا حول من يحدد السقف، ومن يحمي الذوق العام من هذا الانزلاق.
غير أن المسؤولية لا تقع فقط على صانع المحتوى، بل تمتد أيضا إلى المتلقي. فالإعلام، في نهاية المطاف، يعكس ما يطلبه الجمهور. وكلما استهلكنا التفاهة، كلما منحناها شرعية أكبر، وساهمنا في انتشارها.
لذلك، فإن مواجهة هذا المد لا تكون فقط بالانتقاد، بل أيضا بالاختيار. اختيار ما نشاهد، وما نروج له، وما نمنحه قيمة. فالمقاطعة الواعية ليست سلبا، بل موقف، وهي قادرة على إعادة توجيه البوصلة نحو محتوى يحترم عقل وكرامة المواطن.
في النهاية، قد يكون الإعلام في حاجة إلى مراجعة، لكن الأكيد أن المجتمع أيضا يملك جزءا من الحل. لأن التفاهة لا تعيش من تلقاء نفسها… نحن من يمنحها الحياة أو يسحب منها الأكسجين.