مشاركة الشباب في الحياة السياسية المغربية: بين العزوف المؤسساتي والأشكال البديلة للتعبير

0

يقلم سعيد أقداح
طالب باحث في سلك الدكتورا في القانون العام

​ملخص المقال
​يعالج هذا المقال دينامية المشاركة السياسية للشباب في المغرب، مسلطاً الضوء على المفارقة القائمة بين الحجم الديمغرافي المهم لهذه الفئة، وبين ضعف انخراطها في المؤسسات السياسية التقليدية (الأحزاب والانتخابات). يحلل المقال الأسباب الكامنة وراء ظاهرة “العزوف السياسي”، مبرزاً الانتقال نحو أشكال بديلة للمشاركة من خلال الفضاء الرقمي وحركات المجتمع المدني. ويخلص المقال إلى أن إعادة إدماج الشباب تتطلب إصلاحات هيكلية تعيد بناء جسور الثقة بين المواطن والمؤسسات.
​1. مقدمة
​يُشكل الشباب شريحة ديمغرافية وازنة في المجتمع المغربي، مما يجعل دورهم حاسماً في أي مشروع تنموي أو تحول ديمقراطي. تفاعلاً مع حراك 2011، جاء الدستور المغربي بمقتضيات متقدمة تروم إشراك الشباب في التنمية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية (الفصل 33). غير أن الواقع والممارسة الميدانية يكشفان عن فجوة بين النص الدستوري والممارسة السياسية، تتجلى في ضعف الإقبال على صناديق الاقتراع وتدني نسب الانتماء الحزبي، مما يطرح تساؤلات عميقة حول طبيعة هذه المشاركة ومآلاتها.
​الإشكالية: إلى أي حد يعكس العزوف الانتخابي والحزبي للشباب المغربي قطيعة نهائية مع الشأن العام، أم أنه يمثل انتقالاً نحو أشكال جديدة وغير نمطية من المشاركة السياسية؟
​المنهجية:
يعتمد المقال على المنهج التحليلي السوسيولوجي لقراءة المؤشرات الإحصائية والمؤسساتية، والمنهج الوصفي لرصد التحولات في سلوك الشباب السياسي.
​2. المبحث الأول: واقع المشاركة السياسية للشباب (الأزمة المؤسساتية)
​يتسم المشهد السياسي المغربي بضعف جاذبيته للفئات الشابة، ويمكن رصد ذلك من خلال مؤشرين رئيسيين:
​ضعف المشاركة الانتخابية: تشير التقارير الرسمية إلى أن نسبة تسجيل الشباب في اللوائح الانتخابية ومشاركتهم في التصويت تظل دون المستوى المطلوب مقارنة بوزنهم الديمغرافي. يُنظر إلى الانتخابات من قبل شريحة واسعة كآلية تفتقر أحياناً إلى القدرة على إحداث تغيير حقيقي في السياسات العامة.
​أزمة الانتماء الحزبي: تعاني الأحزاب السياسية من شيخوخة النخب وضعف تجديد الدماء في هياكلها القيادية. غالباً ما يجد الشباب أنفسهم في أدوار تنفيذية أو تعبوية (أثناء الحملات الانتخابية) دون إشراك فعلي في صناعة القرار الحزبي، مما يُولد شعوراً بالتهميش والإقصاء.
​3. المبحث الثاني: محددات وعوائق المشاركة
​تتداخل عدة عوامل في تفسير ظاهرة العزوف السياسي لدى الشباب المغربي:
​أزمة الثقة (العامل السياسي): هناك أزمة ثقة مستفحلة في الفاعل السياسي التقليدي وفي جدوى العمل المؤسساتي، ناتجة عن عدم وفاء الأحزاب ببرامجها الانتخابية، وتكرار نفس الوجوه السياسية، وضعف الديمقراطية الداخلية للأحزاب.
​العوامل السوسيو-اقتصادية: لا يمكن فصل المشاركة السياسية عن الوضع الاقتصادي. فارتفاع معدلات البطالة بين حاملي الشهادات، والتفاوتات المجالية، يجعلان الشباب يعطون الأولوية لتأمين مستقبلهم المهني والمعيشي على حساب الانخراط في الشأن العام.
​طبيعة التنشئة السياسية: تراجع دور مؤسسات التنشئة التقليدية (الأسرة، المدرسة، دار الشباب، الأحزاب) في نشر الوعي السياسي وتأطير الشباب، مما خلف فراغاً أيديولوجياً ومعرفياً.
​4. المبحث الثالث: الأشكال الجديدة للمشاركة السياسية (الانتقال إلى الفضاء البديل)
​إن ابتعاد الشباب عن الأحزاب لا يعني بالضرورة انسحابهم من الشأن العام (Apathy)، بل هو تحول في أنماط التعبير:
​المشاركة الرقمية (النشاط الافتراضي): أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي منصات رئيسية للشباب المغربي للتعبير عن مواقفهم، نقد السياسات العامة، وإطلاق حملات الضغط والمقاطعة. هذا الفضاء يوفر التحرر من الرقابة الهرمية ويتيح تعبئة سريعة وواسعة.
​العمل المدني والجمعوي: يفضل العديد من الشباب الانخراط في الجمعيات غير الحكومية والمبادرات التطوعية ذات الطابع الاجتماعي أو البيئي أو التنموي. يُنظر إلى العمل المدني كبديل براغماتي يحقق نتائج ملموسة بعيداً عن التجاذبات الأيديولوجية والسياسوية.
​الاحتجاجات الاجتماعية السلمية: الانخراط في الحركات الاحتجاجية الميدانية (ذات الطابع الفئوي أو المجالي) كوسيلة للضغط المباشر على السلطات لتحقيق مطالب اقتصادية واجتماعية.
​5. خاتمة
​إن المشاركة السياسية للشباب في المغرب تمر بمرحلة انتقالية دقيقة. فظاهرة “العزوف” الملاحظة هي في جوهرها موقف سياسي رافض للأنساق التقليدية، وليست غياباً للوعي بالشأن العام. لضمان استقرار ديمقراطي وتنموي مستدام، بات من الضروري تجاوز المقاربات الترقيعية نحو إصلاح شامل يقتضي:
​دمقرطة المؤسسات الحزبية وتجديد نخبها.
​تفعيل أدوار المؤسسات الدستورية الخاصة بالشباب، وتحديداً “المجلس الاستشاري للشباب والعمل الجمعوي”، بتمكينه من صلاحيات تقريرية واستشارية حقيقية.
​ربط المشاركة السياسية بالتنمية الاقتصادية لإنهاء حالة الإحباط والتهميش.
​6. لائحة المراجع
​المصادر الرسمية:
​دستور المملكة المغربية، الصادر بتنفيذ الظهير الشريف رقم 1.11.91 بتاريخ 29 يوليو 2011 (تحديداً الفصول 33 و 170).
​المندوبية السامية للتخطيط (HCP)، تقارير ومسوح حول “الشباب المغربي: المؤشرات الديمغرافية والسوسيو-اقتصادية”.
​الكتب والدراسات العلمية:
​طوزي، محمد، والسبيعي، عبد الرحمن (وآخرون)، الشباب والمشاركة السياسية في المغرب، دراسات سوسيولوجية متعددة.
​المالكي، امحمد، الثقافة السياسية بالمغرب: استمرارية أم تحول؟، مركز دراسات الوحدة العربية.
​بنمير، المهدي، العمل الحزبي والسياسي في المغرب: أزمة ثقة أم أزمة بنيات؟، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية (REMALD).
​تقارير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي (CESE) حول مبادرة الشباب وإدماجهم السوسيو-اقتصادي.