تربية “الصردي” بسطات.. توازن بين الخبرة الموروثة والتكنولوجيا الحديثة

0

لا تُعد سلالة “الصردي” مجرد صنف من الأغنام بالمغرب، بل تمثل رصيدا فلاحيا واقتصاديا ذا حمولة ثقافية واجتماعية، تحول بمرور الزمن، خاصة في إقليم سطات ومنطقة بني مسكين، إلى موروث متجذر بالشاوية.

فعلى امتداد الطريق نحو مدينة البروج، عاصمة بني مسكين بقلب إقليم سطات، تتجلى تربية الأغنام كنمط عيش يتجاوز النشاط الفلاحي التقليدي. هناك، ترسم قطعان “الصردي” المنتشرة في المراعي لوحة دالة على أن هذه السلالة ليست طارئة على المكان، بل تشكل ركيزة أساسية للاقتصاد القروي بمنطقة الشاوية.

مواصفات “سيد الأكباش”

يتميز خروف “الصردي” بمواصفات فريدة تمنحه حضورا لافتا؛ فهو طويل القامة، أبيض الصوف، ذو بنية قوية وقرون ملتوية مهيبة. ولعل أبرز ما يميزه ذلك السواد المتناسق حول العينين والفم ونهاية الأذنين والأرجل، وهو ما يلخصه الكسابة في العبارة الشهيرة: “ينظر في سواد، ويأكل في سواد، ويمشي على سواد”.

وتعد منطقة بني مسكين معقلا رئيسيا لهذه السلالة، بفضل مناخها الجاف ومراعيها الشاسعة التي تتيح تنقل القطيع لمسافات طويلة مما يمنح “الصردي” قوة جسدية تنعكس على جودة لحومه.

كما تتميز سلالة الصردي بقدرتها العالية على التكيف مع الظروف البيئية الصعبة، خاصة المراعي الفقيرة، ما يجعلها خيارا مفضلا لدى الكسابة، فضلا عن الإقبال الكبير عليها خلال عيد الأضحى، بالنظر إلى مواصفاتها الجيدة من حيث الحجم والجودة.

ثقل اقتصادي وأرقام وازنة

يضم إقليم سطات ثروة حيوانية مهمة، إذ يبلغ عدد رؤوس الأغنام، حسب معطيات وزارة الفلاحة والصيد البحري والمياه والغابات، حوالي 900 ألف رأس، ما يعكس الأهمية الاقتصادية والاجتماعية لهذا النشاط.

وقد ساهمت التساقطات المطرية التي عرفها الموسم الفلاحي الحالي في تحسين جودة المراعي وتوفير الكلأ، وهو ما انعكس إيجابا على مردودية القطيع.

وفي هذا السياق، تعمل المديرية الإقليمية للفلاحة بسطات على تنفيذ مشاريع مهيكلة لتطوير إنتاج سلالة الصردي، خاصة في إطار الدعامة الثانية، من خلال إنجاز مشروعين بدائرة البروج بكل من قيادتي بني مسكين الغربية والشرقية.

وتشمل هذه المشاريع غرس 2000 هكتار من نبات القطفة، وزراعة 500 هكتار من البذور العلفية، إلى جانب إحداث تجمع لمربي الأغنام والماعز، وبناء وحدتين للتسمين والتخزين، بكلفة إجمالية تناهز 26 مليون درهم، لفائدة حوالي 1000 كساب.

كما يضطلع صندوق التنمية الفلاحية بدور مهم في دعم المربين، عبر منح مالية تصل إلى 850 درهما للرأس الذكر و750 درهما للرأس الأنثى، لفائدة المنخرطين في الجمعية الوطنية للأغنام والماعز، فضلا عن تبسيط مساطر الاستفادة منذ سنة 2016، بما ساهم في تسريع وتيرة الولوج إلى الدعم.

ويشمل هذا الدعم أيضا مجالات التغذية الحيوانية والحفاظ على إناث القطيع المخصصة للتوالد، بما يضمن استدامة الإنتاج وتحسين مردوديته.

وفي إطار تنزيل التوجيهات الملكية السامية الرامية إلى إعادة تكوين القطيع الوطني، خصصت الدولة خلال الموسم الفلاحي الحالي دعما ماليا مباشرا لفائدة الكسابة، عقب عملية الإحصاء، حيث تم صرف دفعة أولى موجهة لتغطية تكاليف تغذية الماشية بمختلف أنواعها (أغنام، ماعز، أبقار وإبل).

كما تم صرف دفعة ثانية خلال شهر أبريل لفائدة الكسابة الذين حافظوا على إناث الأغنام والماعز، في خطوة تروم دعم استدامة القطيع وتعزيز قدرته الإنتاجية.

وفي تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، أكد المدير الإقليمي للفلاحة بسطات، يونس أعتاني، أن عملية إحصاء القطيع الوطني على مستوى الإقليم مكنت من تسجيل ما يقارب 34 ألف كساب، وإحصاء أزيد من مليون و100 ألف رأس من مختلف الأصناف، تتصدرها الأغنام.

وأوضح أن هذه المعطيات جرى إدماجها ضمن قاعدة بيانات رقمية دقيقة، تتيح تحسين التدخلات الميدانية وتوجيه السياسات الفلاحية بشكل أكثر نجاعة.

وأشار إلى أن منطقة بني مسكين ودائرة البروج تعدان المهد الأصلي لسلالة الصردي، حيث يشكل هذا الصنف نسبة مهمة من القطيع، ويساهم بنحو 45 في المائة من رقم معاملات سوق الأضاحي على الصعيد الوطني.

كما أبرز أن التساقطات المطرية التي بلغت حوالي 411 ملم هذا الموسم ساهمت في إنعاش المراعي، مما يبشر باستعادة القطيع لعافيته.

تقنيات جديدة في خدمة خبرة موروثة

لم تعد تربية “الصردي” تعتمد على الخبرة التقليدية فقط، بل أصبحت تمزج بين المعارف المتوارثة والتقنيات الحديثة.

وفي هذا الصدد، أوضح نائب رئيس تجمع بني مسكين لتربية الأغنام والماعز، محمد الزهواني، أن المربين يعتمدون تقنيات دقيقة في التلقيح وانتقاء الفحول والتتبع الصحي الدوري، بما يضمن الحفاظ على الخصائص الأصيلة للسلالة.

وأضاف أن العمل الميداني يرتكز على مقاربة علمية تهدف إلى تحسين النسل وتثمين هذا الموروث الجيني، من خلال اعتماد أنظمة الترقيم والوسم وتوثيق شجرة النسب، إلى جانب رقمنة المعطيات لتسهيل تتبع القطيع.

تربية الصردي وتحدي التغيرات المناخية

رغم هذه المكانة المرموقة، يواجه مربو “الصردي” تحديات مرتبطة أساسا بالتغيرات المناخية، وعلى رأسها توالي سنوات الجفاف وارتفاع تكاليف الأعلاف.

غير أن ارتباط الكساب بسلالته يتجاوز البعد الاقتصادي إلى بعد وجداني وثقافي، يعكسه حرصه على الحفاظ على هذا الموروث.

وفي هذا السياق، نوه المصطفى خليل، المتوج بجائزة أفضل كساب (أفضل فحل وخروف ونعجة وخروفة ضمن سلالة الصردي)، برسم الدورة الثامنة عشرة للملتقى الدولي للفلاحة بمكناس، بالمجهودات التي تبذلها مصالح وزارة الفلاحة من أجل العناية بهذه السلالة وتثمينها، مؤكدا أهمية صون هذا الرصيد الحيواني الوطني.

وأضاف أن العمل الجاد والمتواصل الذي يقوم به الكسابة أسهم في ضمان استمرارية السلالة وتطورها، بما يعكس عمق ارتباط المربين بهذا التراث الفلاحي الأصيل.

وفي المجمل، تشكل سلسلة الأغنام بإقليم سطات نموذجا للتكامل بين الموارد الطبيعية والدعم المؤسسي والخبرة المحلية، ما يجعلها رافعة أساسية للتنمية الفلاحية وتعزيز الأمن الغذائي بالمغرب.

ويبقى “الصردي” أكثر من مجرد أضحية مميزة؛ إنه عنوان لنجاح مغربي في تثمين الموارد المحلية والحفاظ على التنوع البيولوجي، ورافد من روافد الهوية الفلاحية لمنطقة الشاوية.