بين العمل الجمعوي والسياسي… حين يتحول العطاء إلى مسؤولية لا إلى ضياع
افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
طالب باحث في العلوم السياسية والدبلوماسية
فاعل جمعوي
في زمن أصبحت فيه الصورة أحيانا أهم من الفكرة، والتصفيق أسرع من التقييم، يحتاج الشباب اليوم إلى من يذكرهم بحقيقة أساسية: العمل الجمعوي والسياسي ليسا طريقا مختصرا نحو الشهرة، بل مسؤولية تتطلب الوعي والتوازن والنضج.
لقد عاش كثير من الشباب تجربة العمل الجمعوي والسياسي بحماس كبير، يحملون أحلام التغيير وخدمة المجتمع والمساهمة في بناء واقع أفضل. وهي تجربة نبيلة في جوهرها، لأنها تفتح أمام الإنسان أبواب التعلم، والاحتكاك، واكتساب الخبرة، وتوسيع العلاقات، وفهم قضايا المجتمع عن قرب. لكن، في المقابل، قد تتحول هذه التجربة أحيانا إلى فخ يبتلع الوقت والعمر، حين يغيب التوازن وتضيع الأولويات.
فالكثيرون دخلوا العمل الجمعوي أو السياسي وهم يعتقدون أنهم يحققون ذاتهم ويصنعون التأثير، لكنهم مع مرور السنوات اكتشفوا أنهم أهملوا بناء حياتهم الشخصية والمهنية. ضاعت منهم فرص الدراسة، أو تأخروا في بناء مستقبلهم، أو استنزفوا طاقتهم في معارك جانبية وصراعات لا تنتهي، بينما الحياة الحقيقية كانت تمر بصمت.
المشكل ليس في العمل الجمعوي أو السياسي في حد ذاته، بل في طريقة ممارسته. لأن التطوع الحقيقي لا يعني أن تُضحي بنفسك بالكامل، والسياسة الواعية لا تعني أن تحرق مستقبلك من أجل تصفيق مؤقت أو صورة عابرة. فالمجتمع لا يحتاج إلى شباب منهكين وضائعين، بل يحتاج إلى كفاءات قوية، مستقرة، وناجحة، قادرة على العطاء من موقع قوة لا من موقع استنزاف.
للأسف، هناك من يربط قيمة الإنسان بعدد الصور، أو الظهور في الأنشطة، أو القرب من هذا المسؤول أو ذاك، فينسى أن النجاح الحقيقي يبدأ ببناء الذات. لأن الشخص الذي لم ينجح في إدارة حياته، سيكون من الصعب عليه أن يساهم بفعالية في إصلاح حياة الآخرين.
إن العمل الجمعوي مدرسة عظيمة، والسياسة بدورها فضاء مهم للتأثير وخدمة الوطن، لكن بشرط أن يبقيا جزءا من الحياة، لا أن يتحولا إلى الحياة كلها. فالعائلة، والدراسة، والعمل، والاستقرار النفسي والمادي، ليست تفاصيل ثانوية، بل الأساس الذي يمنح الإنسان القدرة على الاستمرار والعطاء.
الشباب اليوم بحاجة إلى وعي جديد: أن يكون متطوعا دون أن يضيع نفسه، وأن يمارس السياسة دون أن يفقد مستقبله. أن يتعلم، ويشتغل، ويبني مساره الشخصي، ثم يمنح المجتمع من قوته وخبرته واستقراره، لا من بقايا طاقته.
وفي النهاية، يبقى أجمل ما في العمل الجمعوي والسياسي أنهما يمنحان الإنسان معنى وقيمة وتجربة، لكن الأخطر أن يتحولا إلى وهم يستهلك العمر دون نتيجة حقيقية.
فالنجاح ليس أن يصفق لك الناس اليوم، بل أن تنظر إلى نفسك بعد سنوات وتقول: خدمت مجتمعي… دون أن أضيع حياتي.