حين يفقد النقاش توازنه: قراءة في اختلال إدارة الحوار الإعلامي بالمغرب

0

بقلم: مصطفى صغيري
دكتور في القانون العام والعلوم السياسية

“حين لا يكون النقاش حراً، يصبح مجرد إعادة إنتاج لما يُراد قوله.”
يورغن هابرماس
مقدمة: انفتاح إعلامي… أم اختبار للحياد؟
شهد المشهد الإعلامي المغربي خلال الفترة الأخيرة دينامية لافتة، تمثلت في بروز برامج سياسية تسعى إلى توسيع فضاء النقاش العمومي، واستضافة فاعلين من مختلف الحساسيات الحزبية، سواء من الأغلبية أو المعارضة.
ولا شك أن هذا الانفتاح يُعد مؤشراً إيجابياً، لما له من دور في تعزيز الوعي السياسي لدى المواطن، وتقريبه من فهم رهانات الفعل العمومي وقواعد الاشتغال السياسي، ولو بشكل نسبي.
غير أن هذا التحول، على أهميته، يضع الإعلام أمام اختبار دقيق يتجاوز مجرد استضافة الضيوف، ليطرح سؤالاً أعمق يتعلق بطبيعة إدارة النقاش:
هل نحن أمام إعلام يوسع فعلاً فضاء التعبير؟
أم أمام إعلام يعيد تشكيله وفق إيقاع غير متكافئ؟
أولاً: من تعددية الضيوف إلى اختلال التفاعل
في المستوى الشكلي، تحرص هذه البرامج على تمثيل مختلف الأطياف السياسية، غير أن متابعة بعض الحلقات الأخيرة تكشف عن اختلال دقيق في طريقة إدارة الحوار.
فالتفاعل مع الضيوف لا يتم دائماً بنفس الحدة ولا بنفس المسافة المهنية، حيث يُلاحظ ارتفاع ملحوظ في منسوب التوتر حين يكون الضيف من المعارضة، مقابل قدر أكبر من السلاسة في حالات أخرى، ولا يتعلق الأمر هنا بمواقف الضيف أو بطبيعة خطابه، بل بطريقة تدبير النقاش، التي قد تتحول، في بعض اللحظات، من تأطير للحوار إلى إعادة توجيه له.
ولا يحتاج المتتبع إلى جهد كبير لاستحضار بعض الحوارات التلفزية التي بثت مؤخراً، والتي عرفت استضافة قيادات سياسية في سياق يفترض فيه التوازن، غير أن ما طبع بعض هذه الحلقات هو تكرار المقاطعة، وارتفاع منسوب الضغط، ومحاولات متكررة للتدخل في مسار الأجوبة، بما أثر على تسلسلها الطبيعي وعلى وضوحها.
كما أن حضور متدخلين مصاحبين للنقاش، بمستوى عالٍ من الجاهزية والتفاعل السريع، أضفى على الحوار دينامية خاصة، بدت في ظاهرها تحليلية، لكنها ساهمت عملياً في توجيه الإيقاع العام للحلقة، دون أن يظهر ذلك في شكل مواجهة مباشرة، وهو ما يجعل بعض اللحظات أقرب إلى اختبار في إدارة الضغط، منها إلى نقاش متكافئ في عرض الأفكار.
وقد زاد من حدة هذا الانطباع ما رافق هذه الحلقات من تفاعل واسع داخل الفضاء الرقمي، حيث لم يعد النقاش يقتصر على مواقف الضيوف، بل امتد إلى مساءلة طريقة إدارة الحوار نفسها، بل وذهب في بعض القراءات إلى اعتبار بعض اللحظات أقرب إلى “محاكمة إعلامية” منها إلى نقاش سياسي متوازن.
ثانياً: المقاطعة بين التنظيم والتأثير
من حيث المبدأ، تُعد المقاطعة أداة مهنية ضرورية لتنظيم الحوار وضبط إيقاعه، غير أن تواترها، وتوقيتها، وطريقة توظيفها، قد يحولها من وسيلة تقنية إلى آلية تأثير.
ففي عدد من الحوارات الأخيرة، لم تعد المقاطعة مجرد تدخل لتنظيم الزمن، بل أصبحت في بعض الحالات أداة لضبط إيقاع التدخل، وتحديد مداه الزمني، بشكل قد يؤثر على قدرة الضيف على عرض فكرته بشكل متكامل، وهو ما يجعل النقاش، في بعض الحالات، أقرب إلى اختبار في التحمل، منه إلى فضاء للتعبير الحر والمتوازن.
لأن النقاش السياسي، حين يفقد توازنه، لا يضر بالضيف فقط… بل يضر بثقة المشاهد في حياد الإعلام.
ثالثاً: بين إدارة النقاش والتحكم في مساره
ويفترض في العمل الصحفي أن يحافظ على توازن دقيق بين إدارة النقاش وضمان سلاسته، دون الانزلاق نحو التحكم في مخرجاته، غير أن ما يُلاحظ في بعض التجارب الإعلامية الحديثة، هو تداخل بين هذين المستويين، حيث يتم، بشكل غير مباشر، توجيه مسار الحوار عبر:
• إعادة صياغة الأجوبة
• تغيير زاوية النقاش
• فرض إيقاع معين على الضيف
وهي ممارسات قد تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تترك أثراً عميقاً على مضمون النقاش، وتعيد تشكيله وفق منطق غير معلن.
وهو ما يجعل هذا التحول قريباً مما أشار إليه الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس، في حديثه عن تحولات “الفضاء العمومي”، حيث لم يعد هذا الفضاء مجالاً للنقاش العقلاني الحر، بل أصبح عرضة لتأثيرات غير مباشرة تعيد تشكيل الرأي العام عبر آليات التواصل والإعلام.
كما ينسجم هذا الطرح مع ما ذهب إليه بيير بورديو، الذي اعتبر أن وسائل الإعلام لا تكتفي بنقل الواقع، بل تسهم في إعادة بنائه وفق منطق خاص، تتحكم فيه قواعد الحقل الإعلامي وإكراهاته.
وهو ما يجعل الحدود بين إدارة الحوار والتأثير فيه حدوداً دقيقة، قد يتم تجاوزها دون وعي، لكنها تنعكس بوضوح على توازن النقاش.
رابعاً: الحياد ليس غياب الصرامة
إن الحياد الإعلامي لا يعني تجنب الأسئلة الصعبة أو تخفيف حدة النقاش، بل يعني توزيع هذه الصرامة بشكل متكافئ بين جميع الفاعلين، فالإعلام القوي هو الذي يطرح نفس الأسئلة بنفس الجرأة، سواء تعلق الأمر بالأغلبية أو بالمعارضة.
أما حين تصبح الصرامة انتقائية، فإن النقاش يفقد توازنه، حتى وإن حافظ على مظهره الخارجي.
قبل الخاتمة: معيار القوة الحقيقية للإعلام
إن قوة الإعلام السياسي لا تُقاس بقدرته على إحراج الضيف أو خلق لحظات توتر، بل بقدرته على إنتاج نقاش متوازن، يسمح للمواطن بفهم الاختلافات السياسية بعيداً عن منطق الضغط أو التشويش، لأن حين يشعر المشاهد أن قواعد النقاش تختلف باختلاف الموقع السياسي للضيف، فإن الإشكال لا يعود متعلقاً فقط ببرنامج معين، بل بثقة الجمهور في الإعلام ككل.
الخاتمة: الإعلام بين الانفتاح والتأثير
إن الرهان اليوم لا يكمن فقط في تعددية الضيوف، بل في عدالة شروط حضورهم داخل الفضاء الإعلامي.
فالإعلام، لكي يؤدي دوره في تأطير النقاش العمومي، يحتاج إلى الحفاظ على مسافة واحدة من جميع الفاعلين، لأن أي اختلال في هذه المسافة، ولو كان بسيطاً، كفيل بإعادة تشكيل النقاش بشكل غير متوازن.
وفي ظل ما تعرفه بعض البرامج من نقاشات حادة في الآونة الأخيرة، يظل السؤال قائماً:
هل نحن أمام إعلام يوسع فضاء النقاش… أم أمام إعلام يعيد ضبطه وفق إيقاع غير معلن؟
لأن أخطر ما يمكن أن يقع للنقاش العمومي، ليس الاختلاف في الآراء… بل الاختلال في شروط التعبير عنها.
لأن الإعلام، حين يتخلى عن حياده، لا يكتفي بتشويه النقاش العمومي… بل يعيد هندسة الرأي العام وفق منطق غير مرئي.