حين تفقد المؤسسة التشريعية روحها… من يراقب من؟

0

افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والدبلوماسية
فاعل جمعوي

كان يفترض أن تكون المؤسسة التشريعية قلب الحياة الديمقراطية، والفضاء الذي تناقش داخله القوانين والسياسات العمومية بكل جدية وعمق ومسؤولية. فالبرلمان ليس مجرد قاعة للتصويت أو تبادل الكلمات، بل مؤسسة دستورية تضطلع بأدوار أساسية: التشريع، والرقابة، وتقييم السياسات العمومية، والدفاع عن مصالح المواطنين.

لكن المتابع للشأن السياسي المغربي خلال السنوات الأخيرة يلاحظ أن صورة المؤسسة التشريعية بدأت تطرح أكثر من سؤال. ليس فقط بسبب ضعف النقاش العمومي داخلها، بل أيضا بسبب التحولات التي جعلت جزءا من الرأي العام يشعر بأن البرلمان فقد جزءا من روحه ووظيفته الأساسية.

ولعل من أبرز العبارات التي اختزلت هذا الوضع، ما قاله السيد محمد أوزين، الأمين العام لحزب الحركة الشعبية، حين تحدث عن تحول “نواب الأمة” إلى “نواب الحكومة”. وهي عبارة تحمل في عمقها انتقادا واضحا لطبيعة الممارسة السياسية داخل البرلمان، حيث أصبح كثير من نواب الأغلبية ينظر إليهم كمدافعين عن الحكومة أكثر من كونهم ممثلين للأمة يمارسون الرقابة باسم المواطنين.

لقد كان من المفترض أن تضطلع الأغلبية البرلمانية، رغم دعمها للحكومة، بدور رقابي حقيقي يساهم في تحسين الأداء الحكومي وتصحيح الاختلالات. لكن الواقع أظهر في كثير من الأحيان نوعا من الاصطفاف المطلق، جعل المؤسسة التشريعية تبدو وكأنها امتداد للحكومة بدل أن تكون سلطة مستقلة تمارس أدوارها الدستورية كاملة.

وتبرز هذه الأزمة بشكل أوضح خلال مناقشة مشاريع القوانين الكبرى، وعلى رأسها قانون المالية، الذي يعد من أهم القوانين داخل أي دولة، لأنه يحدد التصور المالي والاقتصادي والاجتماعي لسنة كاملة. ومع ذلك، فإن مستوى النقاش الذي يرافق هذا القانون لا يعكس دائما حجم الرهانات المرتبطة به.

ففي الوقت الذي ينتظر فيه المواطن نقاشا عميقا حول الأولويات الاقتصادية والاجتماعية، تبدو بعض التدخلات سطحية أو بعيدة عن جوهر القضايا المطروحة. بل إن ضعف تمكن عدد من النواب من التفاصيل التقنية والاقتصادية يطرح سؤالا حقيقيا حول مستوى التكوين والكفاءة داخل المؤسسة التشريعية.

الأمر لا يتعلق بالتقليل من قيمة البرلمان أو من دور النواب، بل بضرورة الاعتراف بوجود أزمة حقيقية تحتاج إلى نقاش صريح ومسؤول. لأن المؤسسة التشريعية القوية ليست ترفا سياسيا، بل شرطا أساسيا لأي ديمقراطية حقيقية.

ومن المفارقات التي زادت من ارتباك المشهد السياسي، تلك الظاهرة الغريبة التي أصبحت تتكرر بشكل لافت: وزراء يخرجون في نهاية كل أسبوع لانتقاد الحكومة وسياساتها، رغم أنهم جزء منها. وهو مشهد يثير استغراب المواطنين، لأن الوزير ليس معلقا سياسيا من خارج السلطة، بل عضو داخل الحكومة يتحمل المسؤولية الجماعية عن قراراتها واختياراتها.

هذا التناقض بين المشاركة في تدبير الحكومة وانتقادها في الإعلام أو التجمعات السياسية، يعكس في نظر كثيرين حالة من الضبابية السياسية ومحاولة للهروب من تحمل المسؤولية أمام الرأي العام، خصوصا مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث للمؤسسات هو أن تفقد معناها الحقيقي داخل وعي المواطنين. لأن البرلمان حين يتحول إلى فضاء للتصفيق بدل النقاش، وحين يصبح بعض الوزراء معارضة لحكومة هم جزء منها، تتعمق أزمة الثقة في العمل السياسي والمؤسساتي.

وفي النهاية، لا تحتاج الديمقراطية فقط إلى انتخابات، بل تحتاج أيضا إلى مؤسسات قوية تمارس أدوارها كاملة، وإلى نواب يمتلكون الجرأة والكفاءة لمناقشة القوانين ومحاسبة الحكومة، وإلى مسؤولين يتحملون مسؤولياتهم بدل البحث عن مواقع مريحة بين السلطة والمعارضة.

فهل تستعيد المؤسسة التشريعية المغربية دورها الحقيقي كسلطة رقابية وتشريعية مستقلة؟ أم أننا أمام مرحلة أصبحت فيها السياسة تمارس بمنطق الاصطفاف أكثر من منطق المسؤولية؟