بعد سقطة التعليق المسيء لنشاط رسمي لولي العهد مولاي الحسن محمد اوزين يطالب بوقف…

0

عاد النقاش حول واقع الإعلام الرقمي بالمغرب إلى الواجهة بقوة، بعد الجدل الذي أثارته إحدى المنابر الإلكترونية إثر نشرها مادة اعتبرت مسيئة لرمزية المؤسسات الوطنية، بسبب الربط غير المهني بين صورة رسمية تخص نشاطا لسمو ولي العهد الأمير الجليل مولاي الحسن، وعنوان مثير يرتبط بحادث إجرامي عادي. الواقعة فجرت موجة استياء واسعة، ودفعت النائب البرلماني محمد أوزين إلى توجيه سؤال كتابي شديد اللهجة إلى وزير الشباب والثقافة والتواصل، مطالبا بتدخل عاجل لوضع حد لما وصفه بـ”تغول صحافة الابتذال”.

القضية تتجاوز، في نظر كثيرين، مجرد “خطأ تحريري” أو “سقطة مهنية” معزولة، لتكشف أزمة أعمق يعيشها جزء من الإعلام الرقمي، حيث أصبحت بعض المنابر تراهن على الإثارة الرخيصة وعدد المشاهدات أكثر من رهانها على المصداقية والمسؤولية المهنية. فمع تصاعد المنافسة الرقمية، اختارت بعض المواقع نهج العناوين الصادمة والمحتويات المثيرة للجدل كوسيلة سريعة لجذب التفاعل، حتى وإن كان الثمن هو الإساءة للرموز الوطنية أو الإضرار بصورة المؤسسات.

السؤال البرلماني أعاد طرح إشكال بالغ الحساسية يتعلق بعلاقة حرية التعبير بأخلاقيات المهنة. فالدفاع عن حرية الصحافة لا يمكن أن يتحول إلى غطاء للفوضى الإعلامية أو التلاعب بالرأي العام أو المس بالمؤسسات الدستورية والعسكرية التي تشكل ركائز الاستقرار الوطني. وفي المقابل، فإن أي معالجة لهذا الوضع يجب أن تتم في إطار القانون واحترام الضمانات الدستورية، حتى لا يتحول تنظيم القطاع إلى تضييق على الصحافة الجادة والمسؤولة.

ومن أبرز النقاط التي أثارها السؤال البرلماني قضية الدعم العمومي الموجه لوسائل الإعلام. إذ يتزايد الجدل حول المعايير المعتمدة في منح هذا الدعم، خاصة عندما تستفيد منه منابر متهمة بتغذية التفاهة أو نشر محتويات تفتقر إلى الحد الأدنى من المهنية. ويطالب عدد من المتابعين اليوم بإعادة هيكلة منظومة الدعم العمومي، وربطها بشكل صارم باحترام أخلاقيات الصحافة وجودة المحتوى وخدمة المصلحة العامة، بدل الاكتفاء بمنطق الأرقام ونسب المشاهدة.

إن المغرب، وهو يواجه تحديات سياسية وتنموية وإقليمية كبرى، يحتاج إلى إعلام قوي ومسؤول، يواكب التحولات الوطنية بروح النقد البناء والاحترافية، لا إلى منصات رقمية تستثمر في الإثارة والانحدار القيمي. فالمعركة الحقيقية اليوم ليست ضد حرية الصحافة، بل ضد الرداءة التي تسيء إلى صورة الإعلام نفسه، وتفقد المواطن ثقته في الرسالة الإعلامية.

ويبقى الرهان الأساسي هو بناء مشهد إعلامي متوازن: إعلام حر، نعم، لكن أيضا إعلام مسؤول يحترم ذكاء المغاربة وثوابت الدولة وهيبة المؤسسات، ويجعل من المهنية والأخلاق أساسا للعمل الصحفي، لا مجرد شعارات للاستهلاك.