مصطفى “الخصام” … حين يتحول الضجيج إلى مشروع سياسي

0

افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والدبلوماسية
فاعل جمعوي

بكل حياد، يبدو أن مصطفى لخصم لم يعد مجرد اسم داخل المشهد المحلي، بل أصبح، مع مرور الوقت، عنوانا دائما للخصام والصدام والضجيج. حتى إن كثيرين باتوا يرددون بسخرية: “مصطفى لخصم هو مصطفى الخصام”، لأن الرجل، أينما حلّ، يحضر معه الجدل والمشاكل والصراعات أكثر مما يحضر معه النقاش الهادئ أو الحصيلة المقنعة.

وفي السياسة، قد يختلف الناس، وقد يحتد النقاش، لكن هناك فرق كبير بين رجل دولة يشتغل داخل المؤسسات، وبين شخص يجعل من الصدام أسلوبا دائما للتواصل والظهور. وهذا بالضبط ما يفسر الجدل الكبير الذي خلقته خرجات مصطفى لخصم الأخيرة، خاصة بعد إساءته للأمين العام لحزب الحركة الشعبية السيد محمد أوزين، ووصفه بعبارات لا تليق بالنقاش السياسي ولا بصورة المؤسسات.

والحقيقة أن المقارنة بين الرجلين تبدو ظالمة من الأصل. لأن محمد أوزين، سواء اتفق معه البعض أو اختلفوا، راكم تجربة سياسية ومؤسساتية طويلة، وأصبح أحد أبرز وجوه المعارضة داخل البرلمان، بخطاب سياسي قوي وحضور وازن، جعل منه صوتا مسموعا داخل الشارع المغربي. رجل دولة يمارس السياسة بمنطق المؤسسات، ويعارض بمنطق المسؤولية، ويشتغل بلغة يفهمها المواطن.

أما مصطفى لخصم، فالصورة التي التصقت به خلال السنوات الأخيرة لم تكن صورة رجل سياسة أو تدبير، بل صورة شخص دائم الاصطدام بالجميع: خصومات، مشاكل، خرجات مثيرة للجدل، وزيارات متكررة للمحاكم أكثر من الاجتماعات التنموية. حتى أصبح السؤال المطروح لدى كثيرين: ماذا قدم فعلا في التسيير غير الضجيج المستمر؟

وما يزيد هذا الجدل تعقيدا، أن اسم مصطفى لخصم عاد ليرتبط مجددا بملفات قديمة ثقيلة، بعد تداول وثائق إعلامية تتحدث عن إدانته سابقا بألمانيا في قضايا مرتبطة بإخفاء مسروقات وحيازة أسلحة بشكل غير قانوني، وهي القضايا التي ظلت تطارده إعلاميا كلما حاول لعب دور “الضحية” أو تقديم نفسه كاستثناء داخل المشهد.

ورغم ذلك، يواصل لخصم تسويق خطاب المظلومية، مستغلا أحيانا صفة “مغاربة العالم”، وكأن الانتقاد الموجه إليه سببه الخلفية أو الانتماء، بينما الحقيقة أن المغاربة اليوم أصبحوا أكثر وعيا، ويقيمون المسؤولين بناء على الحصيلة والكفاءة والسلوك، لا على الشعارات أو العواطف.

إن السياسة ليست رياضة قتالية، ولا معركة دائمة مع الجميع، بل مسؤولية تتطلب الحكمة والرصانة والقدرة على تدبير الاختلاف. لأن السياسي الحقيقي لا يقاس بعدد خصوماته، بل بما يقدمه من حلول وإنجازات واحترام للمؤسسات وللناس.

وفي المقابل، فإن لجوء محمد أوزين إلى القضاء للرد على ما اعتبره إساءات ومغالطات، يعكس الفرق بين من يحتكم إلى المؤسسات والقانون، ومن يفضل لغة الضجيج والصدام الإعلامي.

لقد تعب المغاربة من السياسة التي تقوم على “البوز” والصراخ، وأصبحوا يبحثون عن رجال دولة حقيقيين، يمتلكون الكفاءة والخبرة والقدرة على الإقناع، لا عن شخصيات تعيش على الإثارة الدائمة وصناعة الجدل.

وفي النهاية، قد يصنع الضجيج ضوءا مؤقتا حول بعض الأشخاص، لكنه لا يصنع قيمة سياسية حقيقية. لأن الزعامة لا تبنى بالصراخ والخصومات، بل تبنى بالرصانة، والكفاءة، وخدمة المواطنين.

ولهذا، يبقى الفرق واضحًا بين رجل دولة اسمه محمد أوزين… وبين من اختار أن يجعل من “الخصام” مشروعه السياسي الوحيد.