حين تتحدث الأرقام… ويصمت جيب المواطن

0

افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والدبلوماسية
فاعل جمعوي

في كل مرة تخرج الحكومة لتقديم حصيلة أو عرض مؤشرات اقتصادية، يسمع المغاربة لغة مليئة بالأرقام: نسب نمو، استثمارات، تحسن المؤشرات، مشاريع كبرى، وتوقعات إيجابية. لكن، في الجهة المقابلة، هناك مواطن بسيط يقف داخل السوق، أو أمام فاتورة الماء والكهرباء، أو وهو يحاول تدبير مصاريف أسرته، ويتساءل بصمت: أين أثر كل هذه الأرقام في حياتي اليومية؟

المشكلة اليوم ليست في غياب الخطاب الرسمي، بل في اتساع الفجوة بين ما يقال وما يشعر به المواطن على أرض الواقع. فالمواطن لا يقيس نجاح السياسات بالأرقام المجردة، بل بما تبقى في جيبه آخر الشهر، وبقدرته على العيش بكرامة، وتأمين احتياجات أسرته دون ضغط دائم.

لقد أصبح الغلاء جزءا من الحياة اليومية للمغاربة. أسعار المواد الأساسية ترتفع، وتكاليف النقل والسكن والتعليم تزداد، بينما القدرة الشرائية تتآكل شيئا فشيئا. وحتى الطبقة المتوسطة، التي كانت تعتبر صمام أمان اجتماعي، بدأت تشعر بأنها تستنزف تدريجيا تحت ضغط المصاريف وتراجع التوازن بين الدخل والحياة اليومية.

وفي المقابل، تستمر لغة الأرقام والمؤشرات وكأنها تتحدث عن واقع آخر غير الذي يعيشه المواطن. صحيح أن الاقتصاد يقاس بالمؤشرات، وأن المشاريع والاستثمارات مهمة، لكن التنمية الحقيقية ليست فقط ما يكتب في التقارير، بل ما يشعر به الناس في تفاصيل حياتهم اليومية.

فما معنى الحديث عن النمو، إذا كان المواطن يشعر بالخوف كلما دخل السوق؟ وما جدوى الأرقام الإيجابية، إذا كانت الأسر تجد صعوبة متزايدة في تدبير أبسط متطلبات العيش؟

إن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس فقط الغلاء في حد ذاته، بل أن يشعر المواطن بأن الخطاب الرسمي بعيد عن واقعه الحقيقي. لأن الثقة تبنى حين يشعر الناس أن المسؤولين يفهمون معاناتهم ويتحدثون بلغتهم، لا فقط بلغة المؤشرات والنسب.

كما أن جزءا من الأزمة لا يرتبط فقط بالظرفية الدولية أو تقلبات الأسواق، بل أيضا بطريقة التدبير والاختيارات الاقتصادية والاجتماعية. فالمواطن لا ينتظر المعجزات، لكنه ينتظر سياسات تخفف الضغط عنه، وتحمي قدرته الشرائية، وتعيد إليه الشعور بأن هناك من يفكر فعلا في همومه اليومية.

لقد أصبح المغاربة اليوم أكثر وعيا، وأكثر قدرة على التمييز بين الخطاب والواقع. لذلك لم تعد لغة الأرقام وحدها كافية لإقناع الناس، لأن المواطن حين يعود إلى بيته مثقلا بالمصاريف، لا يفكر في نسب النمو بقدر ما يفكر في كيفية إكمال الشهر بأقل الخسائر.

وفي النهاية، لا أحد ينكر أهمية المشاريع الكبرى أو المؤشرات الاقتصادية، لكن نجاح أي سياسة يبقى مرتبطا بمدى انعكاسها الحقيقي على حياة المواطنين. لأن التنمية التي لا يشعر بها الناس، تبقى بالنسبة لهم مجرد أرقام تُقال في الخطابات.

فالمواطن لا يعيش بالأرقام… بل بما تبقى في جيبه، وبما يشعر به من كرامة واستقرار وأمل في المستقبل.