أزمة الخطاب التنفيذي وتحدي تخليق الحياة السياسية

0

بقلم الاستاذ مصطفى صغيري
دكتور في القانون العام والعلوم السياسية

“أخطر ما يهدد الديمقراطيات ليس الصراع السياسي، بل انهيار لغة الاحترام داخل الفضاء العمومي”
يورغن هابرماس ( صياغة مستلهمة من نظريته حول الفضاء العمومي والتواصل الديمقراطي)

مقدمة: في سوسيولوجيا الخطاب السياسي وتداعياته البنيوية
تُعد دراسة الخطاب السياسي أحد المداخل الأساسية لفهم طبيعة النظم الديمقراطية ومدى نضج حكامتها المؤسساتية، فالخطاب ليس مجرد أداة لنقل الأفكار أو التعبير عن المواقف، بل هو بنية رمزية تؤثر بشكل مباشر في تشكيل الوعي الجمعي، وترسيخ الثقة بين المواطن والمؤسسات، أو تعميق الهوة بينهما، فاللغة السياسية ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل هي جزء من هندسة الشرعية داخل الدولة الحديثة.
وفي سياق التحولات الراهنة التي يشهدها الحقل السياسي المغربي، يلاحظ الباحث في العلوم السياسية والحكامة بروز نمط تواصل جديد يتسم أحياناً بالتشنج اللفظي وتجاوز التقاليد المرعية في التدافع الحزبي.
إن تداعيات هذا النمط من الخطابات تتجاوز حدود الخلاف الحزبي الضيق لتطال جوهر السلم القيمي للمجتمع؛ إذ يساهم تبخيس الفاعلين السياسيين في تغذية النزعات العدمية، وتعميق العزوف عن العمل السياسي، وتشويه صورة المؤسسات الدستورية أمام الرأي العام الوطني والدولي، من هنا، يصبح من واجب البحث الأكاديمي تفكيك هذه الظواهر بأدوات علمية رصينة، بعيداً عن الانفعال والشخصنة، بهدف رصد الاختلالات والمساهمة في تجويد الممارسة السياسية.
أولاً: تفكيك الواقعة.. خرجة الوزير لحسن السعدي وسياق الحكامة التواصلية
أعادت الخرجة الأخيرة للسيد لحسن السعدي، بصفته وزيراً وقيادياً حزبياً، طرح سؤال دقيق يتعلق بحدود التداخل بين الخطاب الحكومي والخطاب الحزبي داخل التجربة السياسية المغربية، فقد وجه من خلالها انتقادات حادة ومباشرة للأستاذ نبيل بنعبد الله، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، ومن منظور علم الحكامة السياسية، فإن هذه الخرجة تطرح إشكالاً بنيوياً يتعلق بـ”التداخل بين الصفة الحكومية والصفة الحزبية”؛ إذ يفترض في عضو الجهاز التنفيذي، الذي يمثل السياسة العامة للدولة، أن يتسم خطابه بالتحفظ والوقار والرزانة، وأن ينأى بنفسه عن السجالات التي قد تُفهم على أنها محاولة للتقليل من شأن الهيئات الدستورية الأخرى.
إن تحويل النقاش السياسي من مستوى التنافس البرامجي إلى مستوى التبخيس الرمزي للفاعلين والمؤسسات، يعكس تراجعاً مقلقاً في أدبيات التواصل السياسي التي طالما ميزت رجالات الدولة في المغرب، والذين كانوا يحرصون على مقارعة الأفكار بالأفكار مع الحفاظ على التوقير الكامل للاشخاص والرموز النضالية.
ثانياً: عراقة “الكتاب” في مواجهة الاندفاع التنفيذي.. ميزان التاريخ والنضال
لا يمكن للباحث الموضوعي في التاريخ السياسي المغربي أن يغفل المكانة الاعتبارية لحزب التقدم والاشتراكية، إن هذا الحزب (حزب علي يعته والجيل المؤسس) يمتلك رصيداً نضالياً وتاريخياً يجعله رقماً صعباً في معادلة الانتقال الديمقراطي بالمغرب، وعندما يمارس هذا الحزب دوره الدستوري من موقع المعارضة، فإن توجيه النقد للأغلبية الحكومية يعد ممارسة ديمقراطية صحية ومشروعة بنص الوثيقة الدستورية.
في المقابل، فإن لجوء بعض نخب حزب التجمع الوطني للأحرار -ومنهم السيد لحسن السعدي- إلى منطق الهجوم الشخصي بدل تقديم الدفوعات البرامجية والحصيلة التنموية، يوضح وجود أزمة في استيعاب مفهوم “التعددية”، فالشرعية الانتخابية والعددية للأغلبية الحالية، برغم أهميتها، لا تمنحها الحق في تبخيس التراكم التاريخي والنضالي للمعارضة، بل تفرض عليها مسؤولية أكبر في قيادة الحوار الوطني بروح وطنية واحتوائية، فالديمقراطيات لا تُقاس فقط بمدى قوة الأغلبية، بل كذلك بمدى احترامها للمعارضة باعتبارها جزءاً من التوازن المؤسساتي للدولة، لا مجرد خصم ظرفي في معركة سياسية عابرة.
ثالثاً: الآثار السلبية لتراجع اللياقة السياسية على جاذبية الحقل العام
من الناحية العلمية والتحليلية، ينتج عن تراجع الميثاق الأخلاقي في الخطاب السياسي عدة تداعيات مقلقة تمس حكامة المشهد العام في عمقه وبنيته؛ إذ يؤدي تحول الفضاء السياسي إلى منصة للتراشق اللفظي غير المنضبط إلى تبديد الرأسمال الرمزي والثقافي للمؤسسات الدستورية، مما يفقدها هيبتها وجاذبيتها و”الكاريزما” المؤسساتية الضرورية لاستقطاب الكفاءات والنخب الفكرية التي تنأى بنفسها عادة عن بيئات التشنج، وينعكس هذا التراجع القيمي مباشرة على طبيعة التوازن الدستوري من خلال إنتاج آليات تساهم في شيطنة المعارضة وتهميش أدوارها الرقابية، في حين أن أدبيات الحكامة الجيدة تقتضي وجود أغلبية قوية ومسؤولة قادرة على الإنجاز الفعلي، تقابلها معارضة وازنة ومحترمة تملك كامل الشرعية السياسية والأخلاقية للمساءلة والتقويم دون تعرض قياداتها للتبخيس أو النيل من اعتبارها الشخصي، وتتوج هذه الدينامية السلبية ببروز ما يمكن تسميته بـ “الشعبوية التنفيذية”، وهي وضعية تتحول فيها السلطة التنفيذية من منطق تدبير الدولة إلى منطق إدارة الانطباعات والصراعات الخطابية اليومية، كما تعتبر مؤشرا بنيويا خطيرا يعكس اختراق الأدوات الشعبوية والخطابات الإقصائية لمراكز القرار والجهاز التنفيذي، حيث يُستبدل النقاش العقلاني الهادئ المستند إلى المؤشرات الرقمية، والخطط الإستراتيجية، وقوة البرامج، بمنطق “الصوت المرتفع” والمناكفات الهامشية التي تفرغ الحقل السياسي من نبله، وتعرقل مسار البناء الديمقراطي والمؤسساتي للبلاد.
خاتمة: نحو بيئة سياسية أخلاقية تحمي خيارات المغرب الإستراتيجية
إن القراءة الأكاديمية الرصينة لهذه الواقعة السياسية تقودنا حتماً إلى استنتاج مركزي مفاده أن معركة المغرب التاريخية اليوم هي معركة تنموية، فكرية، ومؤسساتية بامتياز، تفرض على الجميع استنفاد الجهود والذكاء الجماعي لكسب رهانات المستقبل، ولا تحتمل بأي شكل من الأشكال هدر الزمن السياسي والتنموي في مناكفات هامشية عقيمة تسير عكس المصلحة العليا للبلاد، وتأسيساً على ذلك، فإن الحاجة أصبحت ملحة وجوهرية لبلورة “ميثاق أخلاقي ملزم للممارسة السياسية” يعيد صياغة القواعد الناظمة للتدافع الحزبي على أرضية السمو القيمي، والاحترام المتبادل، والترفع الصارم عن التجريح الشخصي.
إن هذا الأفق الإصلاحي هو تجسيد للمقاربة الملكية الحكيمة؛ إذ ما فتئ صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصر الله وأيده، يشدد في خطبه السامية وتوجيهاته السديدة على ضرورة “تخليق الحياة السياسية” والارتقاء بخطاب الفاعلين الحزبيين ليكون في مستوى تطلعات المواطنين وفي حجم الأوراش الإستراتيجية التي تقودها المملكة، فالرؤية الملكية تضع الأخلاق والمسؤولية كركائز أساسية للمواطنة الحقة ولحكامة المؤسسات، معتبرة أن مصداقية الهيئات السياسية تقاس بمدى نضج خطابها وترابط كفاءتها التدبيرية مع قيمها السلوكية.
بناءً على هذه المرجعية العليا، يصبح لزاماً على الفاعلين السياسيين من الجيل الجديد، وفي مقدمتهم السيد لحسن السعدي، الوعي التام بـ “أمانة المسؤولية الوطنية” والاستيعاب العميق لمنطق رجل الدولة؛ فالعمل التنفيذي لا يستقيم بالاندفاع اللفظي أو تبخيس الشركاء في الوطن، بل يتطلب تلازماً بنيوياً بين كفاءة الإدارة وحكمة التواصل ورصانته.
إن المناصب الحكومية والمواقع السياسية تظل، في نهاية المطاف، مواقع عابرة داخل مسار الدول، أما ما يبقى فهو أثر الخطاب، وصورة المؤسسات، ومستوى المسؤولية الأخلاقية في تدبير الاختلاف.
فحين يفقد الخطاب السياسي رصانته، لا تتضرر صورة الفاعلين فقط، بل يبدأ التآكل البطيء لهيبة الدولة داخل الوعي الجماعي للمجتمع.