بأيِّ ذنبٍ قُتل تلاميذ أولماس؟ حين تتحول الاستقالة من موقف أخلاقي إلى ذكرى سياسية

0

بقلم: مصطفى صغيري
دكتور في القانون العام والعلوم السياسية

“حين يموت الأطفال في طريقهم إلى المدرسة، فالمأساة ليست حادثاً… بل فشلٌ جماعي.”

لم يكن ذلك المواطن البسيط الذي انفجر بالبكاء بعد فاجعة أولماس يتحدث فقط عن حادثة سير عابرة، حين صرخ بحرقة:
“خطّاف وقاتل التلاميذ… خطّاف في أغنى جماعة عندنا فالمغرب…”
بل كان، دون أن يدري، يختصر صدمة سياسية وتنموية كاملة، ويضع إصبعه على واحد من أخطر أعطاب التدبير المحلي بالمغرب:
حين تصبح حياة أبناء الفقراء أقل قيمة من صور التنمية وخطاباتها، فذلك يعني أن السياسة فقدت معناها الإنساني.
في أولماس، المنطقة التي تُقدَّم دائماً باعتبارها جماعة غنية بثرواتها الطبيعية ومياهها المعدنية وإمكاناتها السياحية، خرج تلاميذ بحثاً عن المدرسة… فعادوا جثثاً ودموعاً وصرخات أمهات.
ماتوا داخل سيارة “خطّاف”.
ماتوا لأن الحكومة انسحبت من الهامش، فتركته لـ “الخطافة” والمجهول.
وماتوا لأن الحق في الوصول الآمن إلى المدرسة ما يزال، في بعض مناطق المغرب، حلماً هشاً قد ينتهي بانقلاب سيارة متهالكة وسط طريق قروية.
لكن الفاجعة لا تقف عند حدود الحادثة نفسها، بل تصبح أكثر قسوة حين نستحضر أن رئيس جماعة أولماس، سبق أن صنع جزءاً كبيراً من صورته السياسية على خطاب الدفاع عن كرامة المنطقة ومحاسبة المسؤولين عن المآسي التي عرفتها أولماس.
ففي 26 أبريل 2016، أعلن بصفته نائباً برلمانياً آنذاك عن حزب الأصالة والمعاصرة، تقديم استقالته من مجلس النواب على الهواء مباشرة خلال جلسة مساءلة رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران، احتجاجاً على ما اعتبره “تجاهلاً حكومياً لفاجعة الأربعاء الأسود” التي أودت بحياة عدد من العاملات الزراعيات بالمنطقة إثر حادث سير مأساوي. إضافة إلى احتجاجه على استمرار تعثر افتتاح مستشفى محلي رغم تشييده منذ سنوات، حينها، تحولت الاستقالة إلى لحظة سياسية قوية، حيث تم تقديمها باعتبارها موقفاً أخلاقياً جريئاً، ورسالة احتجاج ضد التهميش والإهمال وغياب الكرامة الاجتماعية بأولماس.
لكن اليوم، وبعد مرور سنوات، تعود أولماس لتبكي ضحايا جدداً… وهذه المرة تلاميذ.
وهنا يطرح السؤال نفسه بقوة موجعة:
إذا كانت أرواح العاملات سنة 2016 تستحق استقالة سياسية…فماذا تستحق اليوم أرواح التلاميذ؟
ما الذي تغيّر؟
هل تغيّرت المآسي؟
أم تغيّرت المواقع فقط؟
لقد كان من السهل رفع سقف الخطاب من موقع المعارضة، لكن الامتحان الحقيقي يبدأ حين يصبح السياسي جزءاً من السلطة ومن منظومة القرار والتدبير نفسها.
واليوم، لم يعد رئيس جماعة أولماس، نائباً معارضاً يحتج ضد الحكومة، بل أصبح جزءاً من الأغلبية، عضو لجنة الداخلية والجماعات الترابية والسكنى وسياسة المدينة والشؤون الإدارية بالبرلمان، ومن بنية السلطة المحلية والمؤسساتية التي يفترض أنها مسؤولة عن حماية حياة المواطنين وضمان الحد الأدنى من شروط الكرامة والتنقل الآمن.
إن أولماس لا تعيش فقط فاجعة طرقية، بل تعيش مأساة اختلال الأولويات.
فأي معنى للتنمية إذا كانت جماعة توصف بأنها من أغنى الجماعات ما تزال عاجزة عن توفير نقل مدرسي آمن لتلاميذها؟
وأي معنى للسياسة إذا كانت الملايين تُصرف على المهرجانات والأنشطة الاحتفالية، بينما يضطر أبناء القرى إلى ركوب “الخطافة” للوصول إلى مدارسهم؟
إن التنمية الحقيقية لا تُقاس بعدد المنصات والصور والخطابات الرسمية، بل تُقاس بقدرة المؤسسات على حماية الإنسان، وحين يصبح “الخطاف” قدراً يومياً للتلاميذ، فإن الأمر لم يعد مجرد اختلال عابر، بل فشل مؤسساتي وأخلاقي في تدبير الحق في الحياة نفسه.
الأخطر من ذلك، أن تكرار المآسي داخل نفس المنطقة يكشف أن المشكل لم يعد ظرفياً، بل بنيوياً، فحين تقع الفاجعة مرة يمكن الحديث عن حادث، أما حين تتكرر المآسي وسط نفس الاختلالات، فإننا نكون أمام أزمة حكامة حقيقية، وحين تفشل السياسة في حماية الأطفال، تصبح كل الشعارات بلا معنى.
لقد آن الأوان لكي تتوقف بعض النخب السياسية عن التعامل مع التنمية بمنطق الصورة والفرجة والخطاب الموسمي، وأن تعود إلى جوهر السياسة الحقيقي:
حماية الإنسان.
لأن الجماعات الترابية لا تُختبر في المهرجانات، بل تُختبر حين يتعلق الأمر بأرواح الأطفال والفقراء والمهمشين.
كان يفترض أن تكون المدرسة طريقاً نحو المستقبل، لكنها تحولت في بعض مناطق المغرب إلى طريق نحو المقابر، فالدول التي تحترم أبناءها، لا يتحول الطريق إلى المدرسة إلى امتحان يومي للبقاء على قيد الحياة.
وفي العمق، فإن أخطر ما تكشفه فاجعة أولماس ليس فقط استمرار “الخطافة”، بل سقوط جزء من الثقة في معنى المسؤولية السياسية نفسها.
فالسياسة التي لا تستطيع حماية التلاميذ في طريقهم إلى المدرسة، تفقد جزءاً كبيراً من مشروعيتها الأخلاقية مهما كانت الشعارات المرفوعة.
وفي النهاية، قد تُنسى التصريحات، وقد تمر الحملات الانتخابية، وقد تتغير التحالفات، لكن صور التلاميذ الذين ماتوا في طريق المدرسة ستظل شاهداً قاسياً على أن أخطر ما يمكن أن يصيب السياسة ليس فقط ضعف الإنجاز، بل أن تتحول المواقف الأخلاقية إلى مجرد شعارات مرتبطة بالموقع السياسي لا بالمبدأ.
وفي بعض الأوطان، يموت الأطفال لأنهم فقراء، وفي أوطان أخرى، يموتون لأن السياسة نسيتهم.
وسيظل السؤال معلقاً فوق جبال أولماس وطرقاتها القروية، بصوت الأمهات المكلومات:
لم يكن أطفالنا يبحثون إلا عن المدرسة، فكيف انتهى الطريق بهم إلى الموت؟