السياسة ليست خصومة… بل مسؤولية
افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والدبلوماسية
في السنوات الأخيرة، أصبح المشهد السياسي في كثير من الأحيان أقرب إلى ساحة للمواجهة الكلامية منه إلى فضاء للتنافس حول الأفكار والبرامج. فبدل أن ينشغل بعض الفاعلين السياسيين بإقناع المواطنين بالحلول التي يقترحونها لمشاكل التعليم والصحة والتشغيل والتنمية، أصبح جزء من النقاش العمومي ينزلق نحو تبادل الاتهامات والردود الشخصية والصراعات التي لا تضيف شيئا إلى هموم المواطن اليومية.
والحقيقة أن السياسة في جوهرها لم تكن يوما خصومة بين الأشخاص، بل كانت دائما تنافسا حول المشاريع والرؤى. فالاختلاف في المواقف أمر طبيعي داخل أي نظام ديمقراطي، بل إنه دليل على الحيوية السياسية وتعدد الآراء. لكن الفرق كبير بين الاختلاف الذي يخدم المصلحة العامة والخصومة التي تتحول إلى غاية في حد ذاتها.
فالمواطن حين يتابع النقاش السياسي لا يبحث عن المنتصر في معركة كلامية، ولا يهمه من يرفع صوته أكثر أو من يوجه الانتقاد الأقسى لخصومه. ما يهمه في النهاية هو من يمتلك حلولا واقعية لمشاكله، ومن يستطيع أن يحسن ظروف عيشه، ومن يقدم تصورا واضحا لمستقبل أفضل.
لقد علمتنا التجارب الديمقراطية الناجحة أن رجل الدولة لا يقاس بعدد خصومه، ولا بحجم الضجيج الذي يثيره، بل بقدرته على الحوار والإقناع والترافع من أجل القضايا التي تهم المواطنين. فالدولة تبنى بالعقل والحكمة والقدرة على جمع الفرقاء حول المصلحة الوطنية، لا بتوسيع دائرة الصراعات والخلافات.
كما أن المعارضة الحقيقية ليست معارضة الأشخاص، بل معارضة السياسات والاختيارات التي ترى أنها لا تخدم الصالح العام. والحكومة بدورها مطالبة بأن تتعامل مع النقد باعتباره جزءا من الممارسة الديمقراطية، لا باعتباره عداء أو استهدافا. فالديمقراطية تزدهر بالنقاش المسؤول، وتضعف عندما يتحول الخلاف السياسي إلى خصومة دائمة.
ومن المؤسف أن جزءا من الشباب أصبح ينظر إلى السياسة من خلال ما يراه من سجالات وصراعات، فيعتقد أن العمل السياسي لا يعدو أن يكون تبادلا للاتهامات أو بحثا عن المكاسب الشخصية. والحال أن السياسة في معناها النبيل هي خدمة للشأن العام، وتحمل للمسؤولية، وسعي إلى تحسين أوضاع المجتمع.
إن المغرب اليوم في حاجة إلى نقاش سياسي يرقى إلى حجم التحديات التي يواجهها. في حاجة إلى أفكار أكثر من حاجته إلى الشعارات، وإلى حلول أكثر من حاجته إلى الصراعات، وإلى رجال ونساء دولة يضعون مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.
فالتاريخ لا يتذكر من كان أكثر صخبا، بل يتذكر من كان أكثر تأثيرا. ولا يخلد أسماء الذين أتقنوا الخصومة، بل أسماء الذين نجحوا في خدمة أوطانهم وتركوا أثرا إيجابيا في حياة شعوبهم.
وفي النهاية، تبقى السياسة مسؤولية قبل أن تكون موقعا، وواجبا قبل أن تكون امتيازا، ورسالة قبل أن تكون منافسة. أما الخصومات العابرة فتذهب مع الزمن، بينما تبقى الأعمال والإنجازات شاهدة على أصحابها.
لأن الديمقراطية لا تنتصر عندما يهزم سياسي خصمه، بل تنتصر عندما ينتصر الوطن.