كلنا فراقشية… حين يتحول الربح إلى استغلال، وتغيب أخلاقيات السوق

0

كلنا فراقشية… حين يتحول الربح إلى استغلال، وتغيب أخلاقيات السوق
بقلم: مصطفى صغيري
دكتور في القانون العام والعلوم السياسية
“لا يبدأ انهيار الأسواق عندما ترتفع الأسعار، بل عندما يفقد الناس الثقة في عدالة السوق.”

حين نسمع كلمة “الفساد”، يتجه ذهننا مباشرة إلى الرشوة، واختلاس المال العام، والصفقات المشبوهة، واستغلال النفوذ، غير أن هناك شكلاً آخر من الفساد أقل ضجيجاً، لكنه أكثر انتشاراً، لأنه يتسلل إلى حياتنا اليومية حتى أصبحنا نتعامل معه وكأنه سلوك عادي لا يستحق الوقوف عنده، إنه فساد استغلال الفرصة.
ذلك السلوك الذي يجعل البعض لا يرى في مناسبة وطنية، أو دينية، أو رياضية، إلا فرصة لمضاعفة الأسعار وتحقيق أرباح لا تبررها الكلفة، ولا يفرضها منطق السوق، وإنما يفرضها فقط يقين بأن المستهلك مضطر للدفع، ومن هنا جاء هذا السؤال الذي قد يبدو مستفزاً، لكنه يستحق أن يُطرح بكل جرأة:
ومن هنا جاء هذا السؤال الذي قد يبدو صادماً:
هل أصبحنا جميعاً “فراقشية”؟
قد يختلف المغاربة في تفسير الكلمة، لكنهم يكادون يتفقون على ما توحي به: شخص لا يرى في الفرصة إلا وسيلة للربح السريع، ولو كان ذلك على حساب غيره.
وهذا بالضبط ما يدفعنا إلى التساؤل:
لماذا أصبح بعضنا يرى في كل مناسبة وطنية، أو دينية، أو رياضية، فرصة لمضاعفة الأرباح بدل تقاسم الفرح؟
خلال فترة كأس العالم، خرج آلاف المغاربة إلى المقاهي والفضاءات العمومية بحثاً عن لحظة فرح جماعية، لم يكن أغلبهم يبحث عن فنجان قهوة بقدر ما كان يبحث عن مشاركة الآخرين مشاعر الانتماء والتشجيع، لكن ما حدث في عدد من الحالات يدعو إلى التفكير، فالقهوة التي كان ثمنها في الأيام العادية أربعة عشر أو خمسة عشر درهماً، أصبحت في بعض المقاهي بستين أو سبعين درهماً، ووصل الأمر في فضاءات أخرى إلى فرض مبالغ مرتفعة مقابل مجرد متابعة مباراة.
قد يعتقد البعض أن الحديث عن ثمن فنجان قهوة أو عن ارتفاع أسعار خدمة هنا أو هناك أمر بسيط لا يستحق كل هذا النقاش، غير أن علم الاقتصاد السياسي يعلمنا أن التحولات الكبرى تبدأ غالباً من التفاصيل الصغيرة، لأن ما يبدو سلوكاً فردياً معزولاً قد يتحول، مع مرور الوقت، إلى ثقافة اقتصادية واجتماعية تؤثر في الثقة، وفي طبيعة العلاقات داخل السوق، وفي صورة المجتمع عن نفسه.
وقد يقول البعض إن هذا يدخل في إطار حرية الأسعار، وإن صاحب المقهى حر في تدبير مشروعه.
وهذا صحيح من حيث المبدأ، لأن الاقتصاد الحر يقوم على حرية المبادرة والمنافسة، لكن السؤال الحقيقي ليس:
هل يحق له أن يرفع السعر؟
بل: إلى أي حد يبقى الربح مشروعاً عندما يتحول إلى استغلال ظرفي لحاجة المستهلك؟
فالاقتصاد لا يقوم فقط على العرض والطلب، بل يقوم أيضاً على الثقة، والثقة هي الرأسمال غير المرئي الذي يجعل السوق مستقرة وقادرة على الاستمرار، وعندما يشعر المواطن بأن كل مناسبة ستتحول إلى فرصة لمضاعفة الأسعار، فإنه لا يفقد فقط ثقته في التاجر، بل يبدأ في فقدان ثقته في عدالة السوق نفسها، والأخطر من ذلك أن هذه الظاهرة لم تعد مرتبطة بالمقاهي وحدها.
ولعل هذا ما أشار إليه عالم الاقتصاد والفيلسوف الاسكتلندي آدم سميث في كتابه ” نظرية المشاعر الأخلاقية”، عندما اعتبر أن السوق لا يمكن أن تستقيم بالقواعد الاقتصادية وحدها، بل تحتاج أيضاً إلى منظومة أخلاقية تضبط سلوك الفاعلين الاقتصاديين، فالاقتصاد، في جوهره، ليس مجرد أرقام، بل هو أيضاً علاقة ثقة بين المنتج والتاجر والمستهلك.
وقد ذهب عالم الاقتصاد كارل بولاني أبعد من ذلك، عندما اعتبر أن السوق لا يستطيع أن ينظم نفسه بنفسه بصورة مطلقة، وأن المجتمع يحتاج دائماً إلى مؤسسات وقواعد أخلاقية وقانونية تمنع تحول العلاقات الاقتصادية إلى مجرد منطق للربح المجرد.
فنحن نراها في ارتفاع أسعار بعض المواد خلال شهر رمضان، وفي أثمان النقل خلال الأعياد، وفي أسعار الإيواء خلال العطل، وفي خدمات مختلفة كلما ارتفع الطلب، وكأن جزءاً من النشاط الاقتصادي أصبح ينتظر المناسبة، لا ليقدم خدمة أفضل، بل ليضاعف هامش الربح إلى أقصى حد.
وهنا لا بد من طرح سؤال آخر:
هل أصبح استغلال المواطن ثقافة اقتصادية؟
إذا كان الجواب نعم، فإننا لا نتحدث فقط عن اختلال في السوق، وإنما عن اختلال في منظومة القيم.
إن ما نعيشه اليوم لا يمكن تفسيره فقط بقواعد العرض والطلب، بل يتطلب قراءة أعمق في ضوء ما يسميه علماء الاقتصاد والاجتماع بـ “الرأسمال الأخلاقي”، فالسوق لا يقوم على المال وحده، وإنما يقوم أيضاً على الثقة، والصدق، والإنصاف، واحترام الزبون، وكلما تآكل هذا الرأسمال الأخلاقي، أصبحت المعاملات الاقتصادية أكثر هشاشة، وفقدت السوق قدرتها على إنتاج الثقة قبل إنتاج الأرباح.
فالمجتمعات لا تُبنى بالقوانين وحدها، وإنما أيضاً بثقافة تجعل النجاح الاقتصادي مرتبطاً بالكفاءة وجودة الخدمة، لا باستغلال حاجة الآخر.
ومن زاوية الحكامة، يبرز سؤال لا يقل أهمية:
أين تنتهي حرية الأسعار، وأين يبدأ واجب الدولة في حماية المستهلك؟
ليس المطلوب أن تحدد الدولة ثمن كل سلعة أو خدمة، لأن ذلك يتعارض مع طبيعة الاقتصاد الحر، لكن من واجبها أن تضمن سوقاً نزيهة، ومنافسة عادلة، وأن تحمي المستهلك من الممارسات التي تفرغ حرية السوق من مضمونها.
إن التجارب الحديثة في الحكامة الاقتصادية لم تعد تعتمد فقط على المراقبة التقليدية، بل انتقلت إلى ما يمكن تسميته بالحكامة الرقمية للأسواق، حيث أصبحت البيانات والذكاء الاصطناعي أدوات أساسية لرصد تطور الأسعار، وكشف الممارسات غير السليمة، وتوجيه أجهزة المراقبة بشكل استباقي، فكلما كانت المعلومة متاحة، وكلما كانت السوق أكثر شفافية، تقلصت فرص الاستغلال وتعززت المنافسة الشريفة.
والملاحظ أن تدخلات المراقبة في كثير من الأحيان تظل مرتبطة بالمواسم أو بالأزمات، فتتكثف خلال شهر رمضان، أو قبيل الأعياد، أو عندما يشتد الجدل حول ارتفاع الأسعار، ثم تعود إلى وتيرتها المعتادة بعد انتهاء المناسبة،لكن حماية القدرة الشرائية لا ينبغي أن تكون موسمية، لأن السوق لا يشتغل موسماً واحداً، بل يشتغل كل يوم.
لقد أصبح من الضروري التفكير في أدوات جديدة للمراقبة تعتمد على الرقمنة والبيانات، وتجعل من الشفافية قاعدة دائمة، لا مجرد استجابة ظرفية، فالدول التي نجحت في تنظيم أسواقها لم تعتمد فقط على كثرة المراقبين، بل بنت منظومات رقمية ترصد تطور الأسعار، وتكشف الاختلالات في وقتها، وتوفر للمستهلك المعلومة قبل أن يقع ضحية الاستغلال.
إن الانتقال من الحملات الموسمية إلى المراقبة الرقمية المستمرة لم يعد ترفاً إدارياً، بل أصبح ضرورة لحماية القدرة الشرائية وتعزيز الثقة في السوق.
لكن، في المقابل، لا يمكن أن نحمّل المسؤولية للتاجر أو للإدارة وحدهما، لأن المستهلك أيضاً جزء من المعادلة، فعندما يقبل المواطن بدفع أسعار مبالغ فيها دون اعتراض أو مقارنة أو مقاطعة، فإنه يساهم، ولو بشكل غير مباشر، في ترسيخ هذه الممارسات، فالسوق يبنيه البائع والمشتري معاً، ويحددان معاً قواعده غير المكتوبة.
إن أخطر ما في هذه الظاهرة ليس ثمن فنجان القهوة، بل اعتياد المجتمع على فكرة أن استغلال الفرصة ذكاء، وأن تحقيق الربح بأي وسيلة نجاح، وأن من يرفض ذلك فهو لا يعرف كيف “يدبر راسو”.
وربما تكمن خطورة الظاهرة في أنها تُعيد تعريف النجاح داخل المجتمع، فبدل أن يصبح النجاح مرتبطاً بالإبداع، أو بجودة الخدمة، أو بالقدرة على خلق قيمة مضافة، يبدأ في الارتباط بالقدرة على استغلال الفرصة قبل غيرك، وعندما يحدث هذا التحول، فإننا لا نكون أمام أزمة أسعار فقط، بل أمام تحول ثقافي يمس منظومة القيم التي يقوم عليها الاقتصاد والمجتمع.
هذه هي اللحظة التي يتحول فيها الخلل الاقتصادي إلى خلل ثقافي.
فالمجتمعات القوية ليست تلك التي تمنع الربح، وإنما تلك التي تجعل الربح محكوماً بالأخلاق، والثقة، والإنصاف.
ولم يكن نجاح الاقتصادات الرأسمالية الحديثة قائماً على حرية السوق وحدها، بل أيضاً على بناء مؤسسات قوية، وترسيخ قواعد المنافسة، وتعزيز الثقة، وربط النشاط الاقتصادي بمنظومة قانونية وأخلاقية تحد من الانحرافات وتحمي المستهلك.
وفي النهاية، لسنا ضد أن يربح صاحب المقهى، ولا ضد أن تستفيد المقاولات من ارتفاع الطلب، فذلك جزء طبيعي من النشاط الاقتصادي، لكن الربح يفقد قيمته عندما يتحول إلى استغلال، وتفقد السوق معناها عندما تصبح المناسبات الوطنية والرياضية موسماً لرفع الأسعار بدل أن تكون موسماً للفرح والتقاسم.
إن المجتمعات لا تنهار عندما ترتفع الأسعار، وإنما عندما تنخفض قيمة الإنصاف، ويصبح استغلال حاجة الآخر علامة على الذكاء، ويتحول الجشع إلى مهارة اجتماعية، ويصبح الربح السريع معياراً للنجاح.
إن حماية القدرة الشرائية لا تبدأ فقط من لجان المراقبة، ولا من القوانين الزجرية، بل تبدأ أيضاً من المدرسة، والأسرة، والإعلام، ومن بناء ثقافة اقتصادية جديدة تجعل المنافسة شريفة، والربح مشروعاً، والاستغلال مرفوضاً.
ولعل السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا ليس:
كم ربحنا من هذه المناسبة؟
بل: أي مجتمع نريد أن نورثه لأبنائنا؟
مجتمع يجعل من نجاح الآخر فرصة للتضامن، أم مجتمع يجعل من حاجته فرصة للربح؟
فالفساد لا يبدأ دائماً من الصفقات العمومية، بل قد يبدأ من سلوك صغير نبرره كل يوم حتى يصبح ثقافة، والثقافة إذا فسدت، فسدت معها السوق، وضعفت الثقة، وتراجع معنى المواطنة الاقتصادية.
فحين يفقد السوق أخلاقه، لا يخسر المستهلك وحده، بل يخسر المجتمع جزءاً من إنسانيته.