من وحي السياسة: والوجد عدي السباعي يكتب شهادة وفاء وعرفان في حق السعيد أمسكان

0

حضرات السيدات والسادة:
إنها لحظة وفاء وشهادة صدق تضع بصمة في مسار متميز لرجل أقدره كثيرا وأعتز أيما إعتزاز بالقدر الطبيعي والمجالي والسياسي والفكري الذي جمعني به، وبالحض الذي حالفني لأتقاسم معه جزءا من مسار وقدر مشترك، وأن أرافقه لمسافة واسعة في طريق موحد بمنعرجاته الكثيرة، ومقاطعه المعبدة وبضرائبه التي ليست قليلة على كل حال، وأيضا بلحظاته المجيدة الباعثة على الفخر والشموخ والصمود.
إنها سيرة رجل من طينة السعيد أمسكان الذي إختار أخيرا النبش في ذاكرته الغنية وتوثيق مساره الفريد ونشره أمام الملأ ليؤرخ لرحلة شاقة قادته من قمة جبل منسي ضواحي ورزازات هناك بقرية توندوت قلعة إمغران إلى أضواء المؤسسات الكاشفة في قلب العاصمة، ونقلته الأقدار المهنية والسياسية المقرونة بكفاءته المكتسبة إلى أرائكها ودهاليزها حيت تصنع القرارات وتنتج السياسات، كل ذلك في رحلة شاقه وعبور جهيد وطويل لمسالك متشعبة ولمنعطفات صعبة قلما صاحبتها باحات إستراحة ولو عابرة.
ولمن قد لا يستوعب أهمية الإحتفاء بهذا الكتاب الذي يربط السياسة بالوجد وبالأقدار وجب التوضيح بداية أن هذا المنتوج ليس كراس حصيلة لمذكرات ودفاتر منمقة ومصنوعة في قوالب جاهزة ومألوفة، فسيرة أمسكان ليست كذلك بل هي جيل جديد من الكتابات حول الذات وبمحبرة الذات، فهي أكبر من سيرة رجل وشخص لأنها تؤرخ لنمو فكرة ومسار وتروي قصة حياة رأت النور من هامش الهامش ووصلت في ظروف صعبة ومعقدة وقاسية إلى مراكز صناعة القرار حيث صنعت التميز فيها ومن أجلها.
قصة أمسكان هي حكاية مثيرة للغاية وصانعة للحدث لأنها تروي قصة كل النخب المغربية القادمة من قمم الجبال أو تحت سفوحها ومرت بشكل إجباري على تضاريس الخصاص والتهميش ، وتكبدت المحن والصعاب لدخول المدينة ولتتفرق بها السبل بحثا عن صناعة موقع إجتماعي أو مهني أو سياسي أو نقابي ومن ثمة فليتنافس المتنافسون.
رحلة أمسكان هي قدر كل بدوي بدأ من قرية بسيطة وهامشية تعيش بكد الرعاة وبخبز واحة صامدة وعنيدة على هامش وديان ملتوية وتحت أقدام جبال بونية اللون وصلبة الحجر تشبه سحنات وأعناق أبنائها الشامخة والصادقة، قرية نائية مثل الكثير من نوعها تحلم بمسلك يقلص عزلتها. وبمدرسة تنافس الكتاب، وبمستوصف صغير يعالج سم الأفاعي ويأوي الحوامل ويسعف المرضى بالعلاجات الأولية ولو إلى حين. قرى وواحات كانت تحتضن صبية صغار بلباس مصنوع من صوف الماشية وبقصات شعر مميزة ومعبرة وبألعاب تصنع من المتلاشيات المهملة، قرى بهدوئها وزمهرير رياحها تحتضن خيما وبيوتا طينية مصنوعة من تراب الواحة وخشبها وقصبها ومائها وبسواعد أهلها وتحتضن تحت وبرها وأسقفها الخشبية أحلام أجيال في مستقبل مجهول وقدر ينسج خيوطه خارج الممكن والمستحيل.
من هناك جاء أمسكان، كما غيره كثير، ليدخل بضربة حض ونداء قدر عالم المدينة بدروبها المتشعبة وقيمها البديلة باحثا عن موطئ قدم في عالم جديد وغريب بسبيل أوحد هو صناعة مسار في التعليم ومنافسة أبناء المدن في فرص الإندماج المفروض، بصعوباته وتكاليفه على أبناء الهامش وأسرهم المرابطة في عمق هذا الهامش أو في رأس الجبل.
من هذا المنطلق بدأت حكاية أمسكان متدرجا في سلاليم الإرتقاء الإجتماعي ومسلحا بمسار علمي متميز ومعززا بدكاء ترابي مستمد من العمق الواحي والجبلي والذي فرض عليه مثل كل أقرانه وأمثاله والتابعين له من أبناء الهوامش مقاومة قساوة الطبيعة وتحدي الحيف الاقتصادي والاجتماعي والمجالي والهوياتي، متدرجا في الوظيفة العمومية وخارجها في العديد من مناطق المغرب ومهندسا طوبوغرافيا يصنع الخرائط والتصاميم في مجال التخطيط والتحفيض العقاري مكتشفا أعماق بلد عظيم من حجم المغرب الغني بتنوع هويته الترابية والثقافية وبنسيجه القبلي والعرفي المتميز. ولتتواصل رحلة الشاب أمسكان في قدر جديد مكنه من صناعة التميز مرة اخرى عبر فتح نافدة على أجراس السياسة بعد تلبية نداء وتكليف القبيلة ووجهائها الأوفياء، فدخل البرلمان بعد مغرب المسيرة الخضراء بلون سياسي مستقل ، وإن كان يميل إلى الإصفرار، لون سرعان ما أخد لونه الأصفر كاملا واستعاد عمقه الحركي منذ خطواته الأولى تحت قبة البرلمان ، مستجيبا لروح الإنتماء الملائم لصدى الجبل ومهد الولادة والذي لم يكن غير روح الحركة الشعبية ، وليمتد إسم أمسكان في مقاعد مجلس النواب الأمامية لعقود طويلة صوتا جهورا يدق الطبول في وجه الحكومات المتعاقبة لإنصاف مغاربة البوادي والجبال ومرافعا عن كرامة الوطن والمواطن ، ملتزما بخيمته الحركية الأصيلة التي تشبه أبناء مجاله الترابي وتعانق هموم وطموحات مهده الأصيل بحقوقه المشروعة، فلم يبدل امسكان تبديلا رغم مطبات الطريق وزوابعه القاسية وإغراءاته التي ليست قليلة على كل حال . فبصم أمسكان الخيمة الحركية وصار جزءا أساسيا من تاريخها وذاكرتها ومستقبلها، فلم يغيب عن كل معاركها ولا إختفى عن منابرها ولا خبا صوته في لحظاتها العصيبة، موحدا ومناصرا للشرعية والمشروعية ولوحدة الصف والهدف ، فدخل قلوب كل الحركيين والحركيات كما دخل بيوت كل أصقاع درعة وما جاورها وكسب قلوب أهلها رئيسا للمجلس الإقليمي لورزازات ورئيسا لجماعة مهد الولادة وصوتها البرلماني الفريد ولمرات عديدة، صديقا للجميع وقائدا قريبا من أعيانها وبسطائها وحكيما يقلص مسافات التوتر والاختلاف بين قبائلها ونخبها وكل أبنائها .
فظل الحال هو الحال إلى أن رفعه قدر المسؤولية الكبيرة من جديد وزيرا على رأس قطاع النقل، في سابقة اولى من نوعها حزبيا ومجاليا في جهة درعة تافيلالت، ليحمل وزر حقيبة يحيط بها أرخبيل من المؤسسات الكبرى والنافذة وبإدارة لا تحمل نوايا طيبة أتجاه الهامش وأهله ، فبصم أمسكان كعادته القطاع بحكامته المطبوعة بجرأة سياسية قل نظيرها كلفته الكثير أكيد ولكن حفرت إسمه في سجل كبار القطاع وتاريخه.
ولأنه سليل الجبل والواحة فسيضل التاريخ يسجل أنه مبدع النقل المزدوج، وأكرم وزير شق طريق الحافلات نحو هوامش الوطن، وباشر ملف الطيران والمطارات بعقلية مجالية منصفة وكل ذلك في زمن مؤسساتي قصير في عمره لكن غني في مداه.
ولأنه نطفة من تراب الواحة وصدى الجبل وخرير مياهها وعاشق لأعرافها وفنونها وأشعارها فلأمسكان وجه أخر لا يعرفه الكثيرون ، إنه أمسكان المبدع والفنان عازفا ومنشد وخبير يبدع ويبحث في أصناف الموسيقى بالأمازيغية والعربية كما بلغة موليير، فعانق صوته الأمازيغي الأصيل وانفتح على صوت الشرق والغرب في متون الموسيقى الخالدة والملهمة.
ولأن الكتاب هو شهادة تاريخ ورسالة بدون عنوان بتفاصيلها المثيرة والمؤثرة ودروسها الجذابة والمغايرة في صيغة مدادها وحمولتها النوعية، فستظل شهادتي الأولية مجروحة وناقصة مالم تستكشف إنسانية رجل من حجم أمسكان، يجالس الكبار كما يعاشر بسطاء القوم بتواضع الكبار وبساطة الأوفياء والأحرار ، رجل تدرج في مواقع القرار وتقلب في هيلمان صناعة المكاسب والإمتيازات فتعفف عن بريقها ولم يسيل لعابه من أجلها، فخرج كما دخل من بذل المسؤوليات ومواقعها بسيطا وغنيا بعفافه وكفافه، قنوعا برأسماله الرمزي ومعتزا بنظافة يده وأمن سريرته ، نبيلا في خصومته دوما وأبدا، متسامحا حتى على حساب حقوقه المشروعة ، ولكنه حاد وصلب صلابة جبال المنشأ في صدق رأيه في المواقف الصعبة والنوازل الجمة التي تستلزم الصرامة والحسم المشفوع بالحزم، فخورا شامخا في مشيته ورفعة رأسه في منصات الكبار ومحافلهم كما في أسواق البسطاء وفي دروب حياتهم اليومية ، حاملا لعمق شعبي أصيل ورصيد لا يقدر بثمن من الحكمة ومن صلب تمغربيت، ومجبول بالفطرة على الوفاء للوطن بثوابته ومقدساته .
وللذكرى والتاريخ فأمسكان الكتاب وكتاب أمسكان يستحق الإنتباه لأنه يروي حكاية نخب الهامش التي يعيد جزء كبير منا إنتاجها وعيشها وإن إختلفت الأساليب والأقدار والمكاتب والنتائج، لهذا في هي ذاكرة مغايرة للعبرة والأفق.
إنها لحظة بوح ومسار من نوع أخر يعري تجاعيد مغرب السرعتين ويكشف مسافة التوثر بينهما حتى في مجال صناعة النخب وتقاسم المسؤوليات ، مسلطا الضوء على كلفة الفجوة المجالية في الولوج إلى مصاعد المركزبمداخلها المغلقة ومفاتيحها المجهولة .
إن بوح أمسكان شكلا ومضمونا هو جيل جديد لشهادة تؤرخ لقمة وطنية قادمة من المغرب العميق ولصوت متميز لقيادي حركي كبير يعيد إلى الأذهان الشهادة التاريخية المكتوبة للزعيم الحركي والوطني الصادق محجوبي أحرضان والتي لازالت تنتظر الترجمة والتعميم بغية تنوير الجميع برواية صادقة عن المغرب الأخر بحقائقه الصادمة والمغيبة إلى حد الأن في الكتب المدرسية وعن مدرجات الجامعات وبحوتها وعن صالونات السياسيين والمؤرخين والمفكرين وعموم المواطنين.
لهذا أدعوكم جميعا إلى قراءة ممتعة لبصمة تخلد مسارا نوعيا يروي قصة من تراب أصيل ورحلة إنسان ومحيط تعزف لعبة الهامش والمركز وتزرع سنابل الأمل في حقل ملغوم بالمخاطر والفرص بمحبرة جذابة عنوانها أمسكان.
أطال الله في عمرك أخي الأكبر السعيد ومتعك بالصحة والعافية والمستقبل السعيد يا سعيد.