حين تقترب ساعة الحسم… يظهر معدن الرجال

0

افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والدبلوماسية

في السياسة، كما في الحياة، لا يبدأ الاختبار يوم تحمل المسؤولية، بل يبدأ منذ اللحظة التي تقرر فيها الانخراط في العمل العام، مؤمنا بأن المؤسسات أقوى من الأشخاص، وأن التنظيمات لا تستقيم إلا باحترام قوانينها، وأن التدرج ليس عائقا أمام الطموح، بل مدرسة تصنع الرجال.

لقد اخترت، منذ دخولي إلى العمل السياسي، أن أسلك الطريق الأصعب؛ طريق الصبر، واحترام المساطر، والإيمان بأن لكل مرحلة رجالها، ولكل مسؤولية شروطها، وأن من سبقونا لهم علينا حق التقدير والاحترام، لأن السياسة ليست سباقا نحو الكراسي، وإنما مسار من التعلم والتدرج واكتساب التجربة.

ولم يكن ذلك ضعفا، ولا ترددا، بل قناعة راسخة بأن البناء الحقيقي يبدأ من احترام المؤسسات، وأن من لا يحترم قواعد بيته السياسي، لن يحترم غدا قواعد الدولة إذا تقلد المسؤولية.

لكن، ومع اقتراب كل محطة حاسمة، تراودني أسئلة لا أخفيها عن نفسي. هل سيبقى الجميع أوفياء للمشروع الذي جمعنا؟ هل ستنتصر المبادئ على المصالح؟ وهل سيظل الالتزام أقوى من إغراءات اللحظة؟

إنها أسئلة يطرحها كل من يؤمن بالعمل السياسي النبيل، لأن السياسة ليست فقط خطابات وشعارات، بل هي أيضا امتحان للأخلاق، وامتحان للوفاء، وامتحان للقدرة على تقديم المصلحة الجماعية على الحسابات الفردية.

لقد علمتنا التجارب أن ساعة الحسم تكشف معادن الرجال. ففي الأوقات العادية، يبدو الجميع متفقين، لكن عندما تقترب لحظة الاختيار، يظهر من يعتبر المشروع أمانة يجب الحفاظ عليها، ويظهر أيضا من يجعل مصلحته الخاصة فوق كل اعتبار.

ورغم هذه الهواجس، فإن ما يبعث على الاطمئنان هو الإيمان بأن المشاريع الكبرى لا تقوم على الأشخاص وحدهم، بل على قيادة تمتلك رؤية، وعلى رجال ونساء يؤمنون بأن الوفاء قيمة لا تتغير بتغير الظروف.

ولذلك، يبقى يقيني كبيرا في حامل المشروع، ربان السفينة، الذي أثبت في أكثر من محطة أن الوفاء ليس شعارا يرفع، بل سلوك يترجم في المواقف، وأن قوة القيادة لا تقاس فقط بقدرتها على اتخاذ القرار، بل أيضا بقدرتها على الحفاظ على وحدة الصف واحترام مناضليها.

أما نحن، فلا نملك إلا أن نواصل السير بالطريقة نفسها التي اخترناها منذ البداية؛ طريق الالتزام، واحترام المؤسسات، والإيمان بأن المواقع تأتي وتذهب، أما المبادئ فهي التي تبقى.

ففي النهاية، قد يربح البعض موقعا، وقد يخسر آخرون فرصة، لكن الرابح الحقيقي هو من يحافظ على أخلاقه، ويظل وفيا للمشروع الذي آمن به منذ اليوم الأول.

**لأن السياسة الحقيقية لا تختبر في لحظات الهدوء… بل حين تقترب ساعة الحسم، ويظهر معدن الرجال.**