أخطر ما يصيب الإنسان… أن يتوقف عمره عند مرحلة واحدة

0

افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والدبلوماسية

خلق الله حياة الإنسان على مراحل، ولكل مرحلة جمالها، ورسالتها، ومسؤولياتها. فالطفولة ليست كالشباب، والشباب ليس كالشيخوخة، ولكل عمر سلوكه، وطريقته في التفكير، ونظرته إلى الحياة. وحين يعيش الإنسان كل مرحلة كما ينبغي، يتحقق التوازن في شخصيته، وينعكس ذلك على أسرته ومجتمعه.

لكن المشكلة تبدأ عندما يرفض الإنسان عمره، ويصر على العيش في مرحلة تجاوزها الزمن، أو يقفز إلى مرحلة لم يحن أوانها بعد. هنا يختل التوازن، ليس في حياته فقط، بل في كل محيطه.

كم من طفل حرم من طفولته، وحمل فوق كتفيه هموم الكبار، فكبر قبل أوانه، وفقد أجمل سنوات عمره. وكم من مراهق استعجل النضج، فظن أن التمرد دليل على الرجولة، وأن مخالفة الجميع عنوان للاستقلالية، ليكتشف بعد سنوات أنه خسر مرحلة كان من المفروض أن يتعلم فيها لا أن يتصدر المشهد.

وفي المقابل، نجد رجالا ونساء تجاوزوا الأربعين أو الخمسين أو الستين، لكنهم ما زالوا يعيشون بعقلية المراهق. يرفضون الاعتراف بأن الزمن تغير، ويتمسكون بسلوكات لا تنسجم مع أعمارهم، ويعتقدون أن كل ما يفعلونه طبيعي، بينما يراه من حولهم مصدرا للتوتر وسوء الفهم. يريدون كل شيء لأنفسهم، ويرفضون تقبل الرأي الآخر، ويصرون على أن يكونوا دائما في الواجهة، وكأن الزمن توقف عند مرحلة معينة من حياتهم.

ولا يقف الأمر عند حدود الحياة الخاصة، بل يمتد إلى الأسرة، حيث نجد أحيانا آباء يتصرفون كالأبناء، فيغيب دور التوجيه، وتضيع هيبة المسؤولية. ونجد أبناء يرفضون تحمل مسؤولياتهم، رغم أنهم بلغوا من العمر ما يجعلهم قادرين على بناء أسرهم ومستقبلهم. فتختلط الأدوار، وتضيع الحدود، ويصبح البيت ساحة لصراعات كان يمكن تجنبها لو عاش كل فرد مرحلته الطبيعية.

وفي العمل أيضا، تظهر هذه الظاهرة بوضوح. فهناك مسؤول يعتقد أن المنصب يمنحه حق التصرف بعاطفة المراهق، فيغضب بسرعة، ويخاصم، وينتقم، ويبحث عن الإعجاب أكثر من بحثه عن الإنجاز. وهناك من تجاوزته السنوات، لكنه ما زال يرفض إعداد من يخلفه، وكأن المؤسسة ستتوقف برحيله. وفي المقابل، نجد شابا يريد أن يقفز فوق التجربة، ويرى أن العمر وحده لا قيمة له، فيرفض التعلم ممن سبقوه.

والسياسة ليست بعيدة عن هذا الواقع. فهناك من يرفض الاعتراف بأن لكل جيل دوره، ويتمسك بالموقع وكأنه حق أبدي، وهناك من يريد الوصول إلى القيادة دون أن يمر بمراحل التكوين والتدرج. وفي الحالتين تضيع الحكمة، لأن المجتمع يحتاج إلى توازن بين خبرة الكبار وحيوية الشباب، لا إلى صراع بينهما.

إن النضج الحقيقي لا يقاس بعدد السنوات، بل بقدرة الإنسان على أن يعيش عمره كما هو. فالطفل يحتاج إلى أن يلعب، والمراهق يحتاج إلى أن يتعلم، والشاب يحتاج إلى أن يبني، والكهل يحتاج إلى أن يقود بحكمة، والشيخ يحتاج إلى أن يكون مرجعا بخبرته. تلك هي سنة الحياة التي لا يختل المجتمع إلا عندما نحاول تغييرها.

ليس عيبا أن يكبر الإنسان، فالسن نعمة، والخبرة مكسب، والوقار جمال. والعيب أن يرفض واقعه، وأن يحاول أن يعيش خارج زمنه، فيرهق نفسه، ويرهق من حوله، ويخلق اختلالا في الأسرة، وفي العمل، وفي المجتمع.

وفي النهاية، ليست المشكلة في عدد السنوات التي نعيشها، بل في الطريقة التي نعيش بها تلك السنوات. فكل مرحلة من العمر هدية من الله، لها طعمها، ورسالتها، وجمالها. ومن يحسن عيش كل مرحلة في وقتها، يعيش حياة متوازنة، ويترك أثرا طيبا في كل من حوله.

فالإنسان لا يشيخ عندما يتقدم به العمر… بل يشيخ عندما يفقد الحكمة التي تناسب عمره، ولا ينضج عندما يكبر سنه… بل عندما يتصالح مع كل مرحلة من مراحل حياته.