هناك من يكبر في السن… لكنه لا يكبر في الوعي

0

افتتاحية الصباح
لقلم عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والدبلوماسية

من سنن الحياة أن يكبر الإنسان مع مرور الأيام، وأن تتغير ملامحه، ويثقل شعره بالشيب، وتزداد سنوات عمره عاما بعد آخر. لكن النضج لا يقاس بعدد السنوات، كما أن الحكمة لا تمنحها الأعمار وحدها. فكم من شاب سبق سنه بعقله، وكم من رجل تجاوز السبعين وما زال أسير نزواته، وعصبيته، وأنانيته، وكأنه لم يتعلم شيئا من رحلة العمر الطويلة.

إن الفرق بين العمر والوعي كبير. فالعمر هدية يمنحها الزمن للجميع، أما الوعي فهو ثمرة التجربة، والتواضع، والقدرة على التعلم من الأخطاء. لذلك قد يكبر الإنسان في السن، لكنه يظل صغيرا في طريقة تفكيره، وفي تعامله مع الناس، وفي نظرته إلى الحياة.

ونلتقي كل يوم بأشخاص يرفضون الاعتراف بخطئهم مهما كانت الأدلة واضحة، ويعتبرون التراجع عن قرار اتخذوه هزيمة، ويرفضون الإنصات إلى غيرهم لأنهم مقتنعون بأن الحقيقة لا يملكها سواهم. هؤلاء لم تمنحهم السنوات النضج، بل منحتهم فقط عمرا أطول.

وفي المقابل، نجد شبابا يتحدثون بعقل راجح، ويحترمون الآخرين، ويعرفون أن الاختلاف لا يفسد الاحترام، وأن المسؤولية ليست امتيازا، بل أمانة. هؤلاء لم ينتظروا عشرات السنين ليصبحوا ناضجين، لأن الوعي لا يرتبط بتاريخ الميلاد، بل بطريقة التفكير.

وتظهر هذه المفارقة داخل الأسرة أيضا. فالأب ليس كبيرا لأنه الأكبر سنا فقط، بل لأنه الأكثر حكمة وقدرة على الاحتواء. والأم ليست مرجعا لأنها عاشت سنوات أكثر، بل لأنها تعلمت كيف تحول التجربة إلى رحمة وتوجيه. أما عندما يغيب الوعي، فإن الأسرة تدخل في صراعات لا سبب لها إلا غياب النضج.

وفي العمل، قد تجد مديرا يملك سلطة القرار، لكنه يفتقد إلى الحكمة في إدارة الناس، فيغضب لأتفه الأسباب، ويرفض الرأي المخالف، ويحيط نفسه بمن يصفقون له، لا بمن يصححون أخطاءه. وقد تجد موظفا بسيطا يملك من الاتزان ما يجعله محل احترام الجميع، رغم أنه لا يملك أي سلطة.

أما في السياسة، فالمشهد أكثر وضوحا. فليس كل من قضى سنوات طويلة في العمل العام أصبح رجل دولة، وليس كل من تقدم به العمر امتلك بالضرورة رؤية للمستقبل. فهناك من تعلم من التجربة، فأصبح أكثر حكمة، وأكثر قربا من الناس، وأكثر استعدادا للاستماع. وهناك من بقي أسير الماضي، يرفض كل جديد، ويعتقد أن الزمن توقف عند اللحظة التي لمع فيها نجمه.

ولهذا، فإن المجتمعات التي تتقدم ليست تلك التي تمنح المسؤولية على أساس السن وحده، ولا تلك التي تستبعد أصحاب التجربة بدعوى التجديد، بل هي التي تجعل معيارها الكفاءة، والنضج، والقدرة على خدمة المصلحة العامة. فالعبرة ليست بمن هو أكبر أو أصغر، وإنما بمن هو أكثر وعيا وإدراكا لمسؤوليته.

إن الإنسان الناضج هو الذي يعرف أن التعلم لا يتوقف، وأن الاعتراف بالخطأ فضيلة، وأن احترام الآخرين لا ينتقص من مكانته، وأن الزمن لا يمنح أحدا صك الحكمة لمجرد أنه تقدم في العمر. فالحكمة تكتسب، والوعي يبنى، والنضج يصنعه التواضع قبل أن تصنعه السنوات.

وفي النهاية، قد يمنحنا الزمن جميعا عمرا أطول، لكنه لن يمنحنا جميعا وعيا أكبر. فالسن يمكن أن يغير الملامح، أما العقل فلا يغيره إلا الإيمان بأن الإنسان يظل تلميذا للحياة مهما بلغ من العمر.

فليس كل من شاب شعره أصبح حكيما… وليس كل من صغر سنه كان قليل الخبرة. إن قيمة الإنسان ليست فيما عاشه من سنوات، بل فيما تعلمه منها، وما أضافته إلى وعيه، وإلى أخلاقه، وإلى أثره في حياة الآخرين.