المجتمعات لا تنهار دفعة واحدة… بل تنهار عندما تتراجع القيم بصمت
افتتاحية الصباح
بقلم ناصري عبد الكريم
باحث في العلوم السياسية والدبلوماسية
قد يعتقد البعض أن سقوط المجتمعات يبدأ بأزمة اقتصادية، أو بحرب، أو بانهيار سياسي مفاجئ. لكن التاريخ يعلمنا أن الأمم لا تنهار في يوم واحد، ولا تسقط بقرار واحد، وإنما تبدأ رحلة التراجع عندما تفقد منظومة القيم التي كانت تحفظ تماسكها، وحين يصبح الخطأ عاديا، وتتراجع المبادئ بصمت، دون أن يشعر أحد بخطورة ما يحدث.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي مجتمع ليس قلة الإمكانيات، بل أن يفقد البوصلة الأخلاقية التي توجه أفراده. فالفقر يمكن تجاوزه، والأزمات يمكن تدبيرها، لكن انهيار القيم يترك جراحا عميقة تحتاج إلى سنوات طويلة حتى تلتئم.
عندما يصبح الكذب مجرد “شطارة”، والغش نوعا من الذكاء، والمحسوبية وسيلة طبيعية للحصول على الحقوق، والاحترام ضعفا، والصدق سذاجة، فإن المجتمع يكون قد دخل مرحلة خطيرة، لأن المعيار لم يعد هو ما هو صحيح، بل ما هو نافع ولو كان على حساب الآخرين.
ولعل ما يثير القلق أن هذا التراجع لا يحدث بضجيج، بل بصمت. يبدأ بتنازل صغير عن مبدأ، ثم بتبرير خطأ، ثم بالاعتياد عليه، حتى يصبح جزءا من الحياة اليومية. وعندها لا يعود الناس يستغربون ما كان يرفضونه بالأمس، بل يدافعون عنه أحيانا، وكأنه أمر طبيعي.
داخل الأسرة، تتراجع القيم عندما يغيب الحوار، ويحل الهاتف محل الجلسة العائلية، وعندما يرى الأبناء تناقضا بين ما يسمعونه من نصائح وما يشاهدونه من سلوك. فالقدوة لا تصنعها الكلمات، وإنما تصنعها المواقف.
وفي المدرسة، لا تكفي المناهج إذا غاب احترام الأستاذ، ولا تكفي الشهادات إذا لم تقترن بالأخلاق. لأن المدرسة ليست فضاء لنقل المعرفة فقط، بل هي مصنع للمواطن الصالح.
أما في الحياة العامة، فإن تراجع القيم يصبح أكثر خطورة عندما يفقد الناس الثقة في أن الاجتهاد يكافأ، وأن القانون يطبق بعدل، وأن المسؤولية تقترن بالمحاسبة. فحين يشعر المواطن أن المبادئ لا تحكم الواقع، يبدأ الإحباط، ويضعف الانتماء، ويتراجع الإيمان بأن الإصلاح ممكن.
وليس المقصود من هذا الحديث رسم صورة سوداء، فالمغرب ما زال يزخر بأسر تربي على الأخلاق، وبأساتذة يؤدون رسالتهم بإخلاص، وبمسؤولين شرفاء، وبشباب يؤمنون بقيمة العمل والاستحقاق. لكن المحافظة على هذه النماذج تتطلب جهدا جماعيا، لأن القيم إذا لم تجد من يحميها، تراجعت أمام ثقافة المصلحة السريعة.
إن بناء الطرق والموانئ والمصانع أمر ضروري، لكنه لا يكفي لبناء وطن قوي. فالدول العظيمة لم تنهض بالخرسانة وحدها، وإنما نهضت لأنها جعلت الصدق قيمة، والعدل قاعدة، والعمل ثقافة، واحترام الإنسان مبدأ لا يخضع للمساومة.
إن مستقبل الأوطان لا يصنعه الاقتصاد وحده، ولا السياسة وحدها، بل تصنعه منظومة قيم تجعل المواطن يراقب ضميره قبل أن يراقبه القانون، ويؤمن بأن النجاح الحقيقي لا يكون على حساب الآخرين، بل معهم.
وفي النهاية، لا تخف على المجتمع من الأزمة التي يراها الجميع، بل اخف عليه من التراجع الذي يحدث بصمت، ومن القيم التي تتآكل دون أن ينتبه إليها أحد. فالأمم لا تنهار عندما تضعف مواردها، وإنما تنهار عندما تضعف أخلاقها، وعندما يصبح الانحراف أمرا مألوفا، والاستقامة استثناء.
فحماية الأوطان لا تبدأ عند الحدود فقط، بل تبدأ من حماية القيم التي تمنح تلك الأوطان روحها، وتحفظ للمجتمع توازنه، وللإنسان إنسانيته.