حين يصبح الإنصات فضيلة نادرة
افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والدبلوماسية
في زمن كثرت فيه الأصوات، أصبح الإنصات عملة نادرة. الجميع يريد أن يتحدث، أن يقنع، أن يبرر، أن يرد، لكن قليلين هم الذين يجلسون ليستمعوا بصدق. وكأننا أصبحنا نعتبر الكلام قوة، بينما الحقيقة أن القوة الحقيقية تبدأ من حسن الإصغاء.
فالإنسان لا يتعلم وهو يتحدث، بل يتعلم وهو يستمع. والسياسي لا يفهم نبض المجتمع إذا اكتفى بإلقاء الخطب. والمسؤول لا ينجح في تدبير الشأن العام إذا لم يسمع قبل أن يقرر. والأب لا يستطيع احتواء أبنائه إذا لم يمنحهم فرصة للتعبير، كما أن الأستاذ لا ينجح في رسالته إذا كان همه الوحيد أن يشرح دون أن يعرف ما الذي يشغل تلامذته.
لقد علمتنا الحياة أن كثيرا من الأزمات لم تكن بسبب غياب الحلول، بل بسبب غياب الإنصات. فكم من خلاف داخل أسرة كان يمكن أن ينتهي بكلمة استماع، وكم من نزاع داخل مؤسسة كان يمكن أن يحل لو أن كل طرف منح الآخر فرصة ليعبر عن رأيه، وكم من قرار كان سيصبح أكثر نجاحا لو سبقه حوار حقيقي مع من يعنيهم الأمر.
والإنصات لا يعني الموافقة، كما أن الاختلاف لا يعني الخصومة. فقد تستمع إلى من يخالفك دون أن تتبنى رأيه، لكنك تمنحه حقه في أن يعبر، وتمنح نفسك فرصة لرؤية ما قد يكون غاب عنك. وهنا يكمن الفرق بين العقل المنفتح والعقل المنغلق.
في العمل العام، تصبح قيمة الإنصات أكبر. فالمسؤول الذي يحيط نفسه فقط بمن يوافقونه الرأي، يحرم نفسه من أهم وسيلة لتصحيح أخطائه. أما الذي يقبل النقد، ويستمع إلى الرأي المخالف، فإنه يبني قرارات أكثر توازنا، ويكسب ثقة الناس حتى عندما يختلفون معه.
وليس عيبا أن نستمع إلى من هو أصغر منا سنا، أو أقل منا تجربة، فقد تأتي الحكمة من حيث لا نتوقع. كما أن الخبرة لا تعني امتلاك الحقيقة المطلقة، بل تعني القدرة على الاستفادة من كل الآراء قبل اتخاذ القرار.
إن المجتمع الذي يحسن الإنصات هو مجتمع يحسن الحوار، والمجتمع الذي يحسن الحوار هو مجتمع يقل فيه التوتر، وتكثر فيه الحلول. أما حين يتحول كل فرد إلى متحدث، ولا أحد يريد أن يكون مستمعا، فإن الضجيج يعلو، لكن الحقيقة تضيع.
وفي النهاية، ليس أعظم من يتقن الكلام، بل من يعرف متى يتكلم، ومتى يصمت، ومتى ينصت. لأن الكلمات قد تقنع العقول، لكن الإنصات الصادق هو الذي يكسب القلوب.
ففي عالم يتسابق فيه الجميع إلى الكلام… قد يكون أجمل ما يمكن أن نقدمه لبعضنا هو أن نحسن الاستماع.