حين يصبح الوقت أغلى من المال

0

افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والدبلوماسية

ليس أغنى الناس من يملك أكبر رصيد في البنك، بل من يعرف قيمة وقته. فالمال إذا ضاع يمكن تعويضه، أما الوقت فلا يعود أبدا، وكل دقيقة تمر تحمل معها جزءا من أعمارنا لن نسترده مهما امتلكنا من إمكانيات.

ومع ذلك، فإن أكثر ما نهدره في حياتنا ليس المال، وإنما الوقت. نهدره في نقاشات لا تنتهي، وفي خلافات لا تضيف شيئا، وفي انتظار قد يطول، وفي تأجيل الأعمال حتى تصبح الفرص مجرد ذكريات. والأسوأ من ذلك أننا لا نشعر بقيمة الوقت إلا عندما يفوت أوانه.

لقد أصبحت ثقافة إضاعة الوقت جزءا من حياتنا اليومية. نؤجل قرارا كان يمكن أن يغير مستقبلنا، ونؤخر مشروعا لأننا ننتظر “الوقت المناسب”، ونترك أحلامنا معلقة على الغد، وكأن الغد وعد مضمون. لكن الحقيقة أن الحياة لا تنتظر أحدا، وأن الفرص لا تطرق الباب مرتين دائما.

وفي الإدارة، يضيع وقت المواطن في إجراءات كان يمكن اختصارها. وفي العمل، تضيع ساعات في اجتماعات بلا نتائج. وفي حياتنا الشخصية، نؤجل لقاء الأحبة، ونؤخر كلمة اعتذار، وننسى أن الزمن قد لا يمنحنا فرصة أخرى.

إن الأمم المتقدمة لم تحقق إنجازاتها لأنها تملك موارد أكثر، بل لأنها تعلمت أن الوقت مورد لا يقل قيمة عن أي ثروة أخرى. فكل دقيقة تستثمر في العلم، أو في العمل، أو في التخطيط، تتحول إلى إنجاز، بينما كل دقيقة تضيع بلا هدف تصبح جزءا من عمر لا يمكن استرجاعه.

وليس المقصود أن يعيش الإنسان تحت ضغط دائم، فالحياة تحتاج أيضا إلى الراحة، وإلى الجلسات العائلية، وإلى لحظات التأمل. لكن الفرق كبير بين من يمنح وقته لما يستحق، ومن يبدده فيما لا ينفع.

وربما أجمل ما يمكن أن يتعلمه الإنسان هو أن يسأل نفسه مع نهاية كل يوم: ماذا أضفت إلى حياتي اليوم؟ ماذا تعلمت؟ من أسعدت؟ وما الذي أنجزته؟ فإن وجد جوابا، فقد ربح يوما من عمره. وإن لم يجد، فليعلم أن يوما آخر قد مضى دون أن يترك فيه أثرا.

وفي النهاية، لا يقاس عمر الإنسان بعدد السنوات التي عاشها، بل بما صنعه في تلك السنوات. فهناك من يعيش ستين عاما ولا يترك أثرا، وهناك من يعيش نصف ذلك العمر، لكنه يملأ الدنيا عملا وعطاء.

فالمال قد يعود بعد خسارته، والمناصب قد تتغير، لكن الوقت إذا رحل، رحل معه جزء من الحياة. ولذلك، فإن أعظم استثمار يمكن أن يقوم به الإنسان هو أن يحسن استثمار عمره، لأنه رأس المال الوحيد الذي لا يعوض.