حين تتحول الانتخابات إلى مهنة: من «ألف صوت في الجيب» إلى سوق لتبديل المواقف

0

افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والقانون الدستوري والدبلوماسية

تعود الانتخابات، في كل استحقاق، حاملة معها وعودا جديدة، وخطابات جديدة، ووجوها قديمة تعود إلى الواجهة، وأخرى تظهر فجأة وكأنها اكتشفت السياسة في موسمها الانتخابي.

وفي هذه اللحظة تحديدا، لا يعود السؤال فقط: من سيفوز ومن سيخسر؟

بل يصبح السؤال الأهم:

ماذا يحدث للسياسة حين تتحول الانتخابات إلى مهنة؟

وماذا يحدث للمجال العام حين يصبح الحديث في السياسة متاحا للجميع، حتى لمن لا يملك عنها من المعرفة إلا ما تسمح به أجواء المقاهي والصالونات الانتخابية؟

لقد أصبحت الانتخابات، في بعض السياقات المحلية، مناسبة لإنتاج نوع خاص من “الخبراء الموسميين”.

أشخاص يتحولون، بمجرد اقتراب موعد الاقتراع، إلى محللين سياسيين، وخبراء في خرائط التصويت، ومالكين مزعومين لمئات الأصوات وآلافها.

تسمع أحدهم يقول بثقة:

«عندي ألف صوت في الجيب».
ثم يظهر آخر ليصحح الرقم:
«أنا عندي خمسمائة».
وثالث يؤكد أن لديه أربعمائة صوت «مضمونة».
لكن الحقيقة السياسية والدستورية أبسط من كل هذه الحسابات.
الصوت الانتخابي ليس ملكية خاصة حتى يوضع في الجيب.

إنه تعبير فردي عن الإرادة السياسية، يمارسه المواطن بحرية، ولا يملك أحد حق التصرف فيه نيابة عنه.

ومن هنا، فإن عبارة «عندي ألف صوت» ليست مجرد تعبير دارج؛ إنها تكشف عن تصور مقلق للانتخابات، يتحول فيه المواطن من فاعل سياسي إلى رقم انتخابي، ويتحول الاختيار الديمقراطي من ممارسة للمواطنة إلى علاقة نفوذ ووساطة.

وهنا نقترب من إحدى الظواهر التي تناولتها الأدبيات السياسية تحت مفهوم الزبونية السياسية؛ حيث لا تقوم العلاقة بين الناخب والمرشح دائما على البرنامج السياسي والمصلحة العامة، وإنما قد تقوم على شبكة من العلاقات الشخصية، والمصالح المتبادلة، والوساطات، والوعود.

وفي هذه الحالة، لا يعود السؤال:

ما المشروع الذي يحمله المرشح؟

بل يصبح:

من يستطيع أن يجمع الأصوات؟

وهذه لحظة خطيرة في مسار الديمقراطية، لأن الانتخابات عندما تنفصل عن البرامج، تتحول تدريجيا من وسيلة لاختيار ممثلي الأمة إلى مجرد عملية حسابية لجمع الأرقام.

لكن الأمر يصبح أكثر خطورة عندما تنتقل لغة الانتخابات من حساب الأصوات إلى حساب الأسعار.

«من يدفع أكثر؟»

قد يبدو السؤال بسيطا، لكنه يكشف عن اختلال سياسي وأخلاقي عميق عندما يصبح المقابل المادي معيارا للاختيار.

لأن الصوت عندما يتحول إلى سلعة، لا يباع صوت فقط.

بل تختزل السياسة نفسها إلى صفقة.

وهنا لا نتحدث عن مخالفة انتخابية فحسب، وإنما عن أزمة في معنى المواطنة السياسية.

فالانتخابات، في جوهرها الدستوري، تقوم على حرية الاختيار والمساواة في ممارسة الحق السياسي. أما عندما يصبح المال أو النفوذ أو الوساطة هو المحدد الحقيقي للاختيار، فإننا نبتعد عن روح التمثيل الديمقراطي، ونقترب من نموذج تصبح فيه العلاقة السياسية قائمة على التبادل بدل التمثيل.

والأخطر أن من يبيع صوته اليوم قد لا يدرك أنه لا يبيع ورقة انتخابية فقط.

إنه يساهم في اختيار من سيتخذ غدا قرارات تمس حياته، وحياة أسرته، وحيه، ومدينته، وربما مستقبل أبنائه.

قد يحصل على مقابل صغير اليوم، لكنه قد يدفع ثمن ذلك الاختيار لسنوات.

ثم نصل إلى ظاهرة أخرى لا تقل خطورة:

ممتهنو الانتخابات.

وهم أولئك الذين تبدو الانتخابات بالنسبة إليهم ليست لحظة سياسية استثنائية، وإنما مهنة موسمية متكررة.

يتنقلون من حملة إلى أخرى، ومن مرشح إلى آخر، ومن لون سياسي إلى لون آخر.

يتغير الموقف بتغير الخريطة.

ويتغير الخطاب بتغير التحالفات.

ويتغير الولاء أحيانا بتغير موازين القوة.

ولا يعني ذلك أن تغيير الموقف السياسي أمر مذموم في ذاته.

فالسياسة مجال للاجتهاد، ومن حق الفاعل السياسي أن يراجع مواقفه، وأن يعيد النظر في اختياراته، وأن يغير موقعه إذا تغيرت قناعاته.

لكن هناك فارقا جوهريا بين المراجعة السياسية وإعادة التموضع السياسي.

في الحالة الأولى، تتغير المواقف لأن الأفكار تغيرت.

أما في الحالة الثانية، فقد تتغير الأفكار لأن المصالح تغيرت.

وهنا تظهر مشكلة الانتهازية السياسية.

فالسياسة الديمقراطية تحتاج إلى الاختلاف، لكنها تحتاج أيضا إلى قدر من الثبات في المبادئ. لأن المواطن لا يستطيع أن يبني ثقته في فاعل سياسي لا يعرف أين يقف، ولا لماذا يقف، ولا إلى أين يتجه.

ومن هنا يصبح السؤال مشروعا:

هل نمارس السياسة لأننا نؤمن بمشروع، أم لأننا نعرف كيف نستثمر في الانتخابات؟

إن خطورة هذه الظواهر لا تكمن فقط في تشويه صورة الانتخابات، وإنما في أنها تعيد تشكيل الثقافة السياسية نفسها.

فعندما يصبح معيار النجاح هو القدرة على جمع الأصوات بأي وسيلة، وعندما تتحول العلاقات الاجتماعية إلى شبكات انتخابية، وعندما يصبح بعض الأشخاص وسطاء بين المرشح والناخب، فإننا نبتعد تدريجيا عن مفهوم المواطنة السياسية ونقترب من منطق السوق الانتخابي.

وفي العلوم السياسية، لا تُقاس جودة الديمقراطية فقط بنسبة المشاركة في الاقتراع، وإنما أيضا بجودة العلاقة بين المواطن ومؤسسات التمثيل.

فالمواطن ليس رقما في قاعدة انتخابية.

وليس “صوتا مضمونا”.

وليس ورقة يمكن استئجارها في موسم الانتخابات.

إنه صاحب إرادة سياسية، يمارس حقا دستوريا، ويختار من يمثله بناء على قناعته.

ولهذا فإن مسؤولية إصلاح هذا الواقع لا تقع على المرشح وحده، ولا على الناخب وحده، ولا على الوسيط وحده.

إنها مسؤولية سياسية ومجتمعية مشتركة.

فالمرشح مطالب بأن يدرك أن الوصول إلى السلطة ليس غاية في ذاته، وأن المواطن ليس وسيلة للوصول إليها.

والناخب مطالب بأن يدرك أن صوته ليس سلعة، وإنما أداة لصناعة القرار السياسي.

والأحزاب مطالبة بأن تعيد الاعتبار للتأطير السياسي، وأن تنتقل من البحث عن الأشخاص القادرين على جمع الأصوات إلى البحث عن الكفاءات القادرة على صناعة البرامج وتنفيذها.

أما الدولة، بمؤسساتها، فهي مطالبة بحماية نزاهة العملية الانتخابية، لأن نزاهة الانتخابات ليست قضية تقنية، بل هي جزء من شرعية النظام السياسي نفسه.

فإذا كان المواطن يشك في أن صوته يمكن أن يشترى، أو أن النتيجة يمكن أن تتأثر بالمال والنفوذ، فإن الضرر لا يصيب مرشحا بعينه، وإنما يصيب الثقة في المؤسسات.

وهنا تحديدا تكمن الخطورة.

لأن الديمقراطية لا تموت دائما بانقلاب كبير.

أحيانا تبدأ في التآكل عندما يفقد المواطن الإيمان بأن صوته يمكن أن يصنع الفرق.

ولذلك، ربما يكون السؤال الأهم في كل موسم انتخابي ليس:

كم صوتا لديك؟

ولا:

من يدفع أكثر؟

ولا حتى:

مع من أنت؟

بل:

ماذا تريد أن تفعل بهذه الأصوات؟

ولأي مشروع ستوظفها؟

وبأي مبدأ ستختار من تمنحه ثقتك؟

فالديمقراطية لا تقاس فقط بعدد الأصوات التي تحصى في صناديق الاقتراع، وإنما بجودة الاختيارات التي تقف وراء تلك الأصوات.

وحين يصبح الصوت مجرد رقم، والسياسة مجرد مهنة، والموقف مجرد لون قابل للتغيير، فإن الخاسر الحقيقي لا يكون مرشحا بعينه.

الخاسر هو المعنى نفسه.

وفي النهاية، الانتخابات ليست سوقا لبيع الأصوات، ولا موسما لتبديل الولاءات، ولا سلما للصعود الشخصي.

الانتخابات هي لحظة يتنازل فيها المواطن عن جزء من سلطته السياسية لصالح من يختاره لتمثيله، ولذلك فإن تحويل هذا الحق إلى سلعة هو في الحقيقة اختزال للمواطنة نفسها.

ولهذا، فإن المعركة الحقيقية في كل استحقاق انتخابي ليست فقط حول من سيفوز بالصندوق، وإنما حول أي سياسة نريد، وأي تمثيل نريد، وأي ديمقراطية نريد أن نتركها للأجيال القادمة.

لأن أخطر ما يمكن أن يحدث للديمقراطية ليس أن يخسر مرشح انتخاباته، وإنما أن يخرج المواطن من العملية الانتخابية وهو مقتنع بأن صوته لا قيمة له إلا إذا كان له ثمن.